المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 767
عابدات سائحات، تعريض لأزواجه بأنّهنّ عاريات عنها أو عن بعضها، وهذا تعنيف آخر أشدّ ممّا قبله.
6 -إضافة (ابكار) تعنيف آخر بأنّه سوف لا يكتفي بالثّيّبات أمثالهنّ، بل يتجاوز إلى الأبكار، لا بكر واحدة، وتزوّج الرّجل بكرا أشدّ بأسا وأصعب تحمّلا على أزواجه من تزوّجه ثيّبا.
7 -إضافة إلى ما ذكر، فقد أسند اللّه إبداله أزواجا غيرهنّ إلى نفسه بوصفه ربّا له عليه السّلام، دلالة على مزيد عنايته به، فكأنّ اللّه هو الّذي يتصدّى لتزويجهنّ، وفيه فضل كبير لهنّ على أزواجه. فقد جاء في شأن واحدة منهنّ- وهي زينب بنت جهش- فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها الأحزاب: 37، وكانت تفتخر به على غيرها من نساء النّبيّ عليه السّلام.
ثانيا: علاوة على التّنديد بهنّ والتّلويح لهنّ بالطّلاق في هذه الآية، فقد جاء في سورة الأحزاب (26 - 34) إنذار وتهديد لهنّ بالطّلاق أيضا مع تبشير للصّالحات منهنّ، ابتداء بقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا، وفيها تهديد لهنّ بالطّلاق أيضا. وللكلام حول أزواج النّبيّ عليه السّلام محلّ آخر، لاحظ"زوج". و"أ م م" (امّهاتهم) .
ثالثا: بدأ تهديدهنّ في أوّل سورة التّحريم يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ، لأنّه عليه السّلام عزم على تحريم النّساء غضبا لهنّ، وبه سمّيت السّورة ب"التّحريم"، وهي تقع في القرآن عقيب سورة الطّلاق الحاوية لأحكام الطّلاق على العموم، فبينهما مناسبة وثيقة واتّصال أنيق.
رابعا: جاءت (ابكارا) جمع بكر بشأن النّساء مرّتين: مرّة في نساء النّبيّ في الدّنيا ضمن هذه الآية، وأخرى في نساء أهل الجنّة لأصحاب اليمين إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً* فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا* عُرُبًا أَتْرابًا* لِأَصْحابِ الْيَمِينِ الواقعة: (35 - 38) ، علما بأنّ القرآن يصفهنّ ب لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ* مرّتين في سورة الرّحمن: 56 و74، فقد وزّعت (ابكار) بين الدّنيا والآخرة بالتّساوي، في الدّنيا بشأن نساء عسى أن يتزّوجهنّ النّبيّ، وفي الآخرة بشأن نساء أصحاب اليمين، فهي كلمة مباركة في القرآن؛ حيث اختصّت بالنّبيّ وبأصحاب اليمين.
خامسا: لا ريب أنّ ذكر (الثّيّبات) هنا مدح لهنّ، كما صرّح به الفخر الرّازيّ، ولكن ما وجه تقديمهنّ على"الأبكار"مع أنّهنّ أفضل من الثّيّبات عند النّاس، والرّغبة فيهنّ أكثر وألذّ؟
فقيل: إنّ الثّيّبات أولى بشأن النّبيّ! ولا يعلم وجهه، وكأنّ القائل به نظر إلى تقدّم سنّ النّبيّ حينذاك، فلم يكن كفوا لهنّ، أو لا حظ سيرته في تزوّج الثّيّبات.
ولا دخل لهذين الوجهين في تقديم الثّيّبات كما لا يخفى، كما أنّه لا دخل للرّويّ فيه، لأنّ رويّ الآيات قبلها"فعيل"وبعدها"يفعلون".
نعم، (ابكارا) هنا تذكّر وتتداعى منها (ابكارا) في"الواقعة"بوحدة الرّويّ فيهما: فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا، فيرتفع به شأنهنّ، وأنّهنّ سوف يكنّ أبكارا كنساء أهل الجنّة، موصوفات بصفات كادت أن تجعلهنّ"حورا"