المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 797
لأنّ"الجيم"و"التّاء"وما يثلّثهما- حتّى من الحروف الذّولقيّة- نادر في العربيّة، ولم يأت منها إلّا ثلاث موادّ، وهي:"ت ج ر"و"ر ت ج"و"ن ت ج".
كما أنّه ليس لتقاليب المادّتين:"ت ج ر"و"ر ت ج"إلّا هذان الاشتقاقان، وليس لمادّة"ن ت ج"تقاليب بتاتا.
ولم يرد في اللّغة مع"الجيم"و"التّاء"من الحروف الشّفويّة إلّا"الباء"في"ج ب ت"وليس لهذه المادّة تقاليب أيضا.
فأنت ترى أنّ ما تذرّع به الجوهريّ لا يقوى على جعل"الجبت"أعجميّا، بل أنّ ما ذكره يطّرد في الكلمات الرّباعيّة أو الخماسيّة، كما صرّح به ابن جنّيّ، لاحظ مادّة"ذ ل ق"من لسان العرب.
الاستعمال القرآنيّ
جاء منها لفظ واحد مرّة واحدة:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا النّساء: 51
ويلاحظ أوّلا: أنّ (الجبت) معرّفا باللّام جاء مرّة واحدة مع (الطّاغوت) تنديدا بالإيمان بهما، والطّاغوت جاء (8) مرّات ترغيبا في الكفر به والإيمان باللّه، أو تنديدا بالإيمان به، مثل: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى البقرة:
256، أو تنديدا بالقتال في سبيله مرّة: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ النّساء: 76، أو على التّحاكم إليه مرّة أيضا: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ النّساء: 60.
ومن هنا نستظهر أنّ الجبت والطّاغوت ليسا شخصين، أو صنفين من النّاس كالسّاحر والكاهن، أو صنمين، بل يعمّان كلّ فاسد لا خير فيه، كما جاء في النّصوص اللّغويّة، وفي كلّ موضع يحمل على ما يناسبه ممّا ذكر، إلّا أنّ الطّاغوت في القرآن جاء في مصاديق كثيرة، منها الجبت في خصوص الأصنام؛ فاللّام فيهما للجنس دون العهد، كما قيل.
ثانيا: أنّ (الطّاغوت) جاء (6) مرّات في المدنيّات، ومرّتين في مكّيّتين، لاحظ"الطّاغوت". أمّا الجبت فمرّة واحدة في سورة مدنيّة، فالمدنيّ غلّب فيهما على المكّيّ مع اختصاص (الجبت) بالمدينة. ويخطر بالبال أنّ شيوعهما في المدينة نشأ من ناحية اليهود، أو ركّز القرآن بها فيهما، لاختلاط المؤمنين باليهود بها إلّا أنّ (الطّاغوت) كان أكثر شيوعا وأقبح سمعة من (الجبت) فكرّر دون (الجبت) وإن اشتركا في المعنى.