المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 834
إحداها صفة التّوحيد، وهي الأساس لجميع صفاته تعالى، وقد كرّرت في صدر هذه الآيات ثلاث مرّات إعلاما بذلك. وبعدها: هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وفيها سوى صيغة التّوحيد (هو اللّه) سبع صفات، اثنتان منها جاءتا بصورة جملتين اسميّة وفعليّة. أمّا آيتنا هذه ففيها سوى صفة التّوحيد ثماني صفات: أوّلها (الملك) وسبع بعدها، بحثنا حولها في لفظ"المؤمن"لاحظ"أمن".
وقد كرّرت فيها صفة (العزيز) مرّتين. إحداهما (العزيز الجبّار) والأخرى (العزيز الحكيم) فصفة الحكيم في الثّانية تبيّن أنّ وصف (الجبّار) في الأولى حكمة وليس ظلما، وأنّ عزّته البالغة غير محدودة تماشي دائما مع حكمته الكاملة، ومن هنا نتطرّق إلى معنى الجبّار الآتي. وكرّرت صفة التّوحيد فيها ثلاث مرّات، لأنّها الأساس لها كما سبق. قال سيّد قطب 6:
"إنّها تسبيحة مديدة بهذه الصّفات المجيدة ذات ثلاثة مقاطع، يبدأ كلّ مقطع منها بصيغة التّوحيد ... ولكلّ اسم من هذه الأسماء الحسنى أثر في هذا الكون ملحوظ، وأثر في حياة البشر ملموس، فهي توحي إلى القلب بفاعليّة هذه الأسماء والصّفات، فاعليّة ذات أثر وعلاقة بالنّاس والأحياء، وليست هي صفات سلبيّة، أو منعزلة عن كيان هذا الوجود وأحواله وظواهره المصاحبة لوجوده ..."
رابعا: جاءت هذه الصّفات متوالية بلا حرف عطف، فليست عطف نسق، بل هي إمّا عطف بيان، لكونها أسماء وإن كان أصلها صفات، وقد جاء في الحديث النّبويّ الّذي رواه الزّجّاج (5: 151) :"أنّ للّه مئة اسم غير واحد"أو هي عطف نسق حذف منها حرف العطف رمزا إلى الاتّصال الوثيق والعلاقة الشّديدة بينها، حتّى كأنّها جميعا صفة واحدة للّه تعالى، وهي كذلك عقلا، لأنّها ليست زائدة على ذاته، وقد جمعها اسم (اللّه) كما قالوا:"إنّها اسم للذّات المستجمعة لجميع صفات الجمال والجلال"ولهذا بدأت كلّ واحدة منها بصفة التّوحيد فكأنّ ما بعدها تفسير وبيان لها، ولها نظائر في القرآن، أوّلها البسملة، والفاتحة. ولم نر من درس وبحث حولها.
خامسا: الجبّار في (1) جاء في عداد صفات الجلال الدّالّة على عظمته وسلطانه"الملك العزيز الجبار المتكبر،"فلا ينبغي حمله إلّا على ما يساوقها مثل:
(الغالب على عباده، الملك العظيم، العظيم الشّأن، والسّلطان) أخذا من"الجبروت"أو الّذي لا ينال أخذا من الجبّارة، وهي النّخلة الّتي تفوت يد المتناول، إلى أمثالها ممّا جاء في النّصوص. فلا ينبغي حمله على معنى الجبر والإصلاح، بمعنى أنّه تعالى يغني الفقير ويصلح الكسير- كما قال بعضهم- حذرا عن توصيفه بوصف قبيح، فقد علمت أنّ جبّاريّته وعزّته وكذلك تكبّره ملائمة لحكمته. فلا قبح فيها ولا نقص.
وهناك وجه ثالث في معنى (الجبّار) فسّره به بعضهم، ولا سيّما الأشاعرة القائلين بالجبر في أفعال العباد، وأنّها فعل اللّه، وهو أنّه يقهر النّاس ويجبرهم