فهرس الكتاب

الصفحة 4570 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 24

ولا ينفقها في سبيل اللّه إنّما يطلب بها الوجاهة والتّنعّم بالغنى، وبالمطاعم الشّهيّة والملابس البهيّة، فتكوى جباههم لإزالة الوجاهة، وجنوبهم وظهورهم لإزالة أثر تلك المطاعم والملابس.

4 -أنّها أشرف الأعضاء المشتملة على الأعضاء الرّئيسيّة الّتي هي الدّماغ والقلب والكبد، ولأنّها أصول الجهات الأربع الّتي هي مقاديم البدن ومآخره وجنباه.

5 -أنّ الّذي يكنزها لحذره من أن يطّلع عليه أحد يلتفت يمينا وشمالا، وأماما ووراء.

ولا يكاد ينظر إلى فوق، أو يتخيّل أنّ أحدا يطّلع عليه من تحت، فلمّا كانت تلك الجهات الأربع مطمح نظره ومظنّة حذره، دون الجهتين الآخرتين من الجهات السّتّ اقتصر عليها دونهما.

6 -إنّ الجهة موضع الوسم لظهورها، والجنب موضع الألم، والظّهر موضع الحدود.

7 -إنّ إمساكه عن إنفاقها نشأ عن خوفه الفقر الّذي هو الموت الأحمر، لأنّه سبب الكدّ وعرق الجبين، والاضطراب يمينا وشمالا، وعدم استقرار الجنب لتحصيل المعاش، مع خلوّه عمّا يستند إليه ظهره، ويعوّل عليه في الملمّات، فتكوى بها جزاء لما يخافه من الكدّ والاضطراب، وعدم الاعتماد في هذه الأعضاء.

8 -لأنّهم خضعوا لتلك الأموال بالجباه، لاذوا إليها بالجنوب، واتّكؤوا عليها بالظّهور.

9 -وهذه الوجوه متقاربة لا يخلو شي ء منها من لطف، كما لا يخلو من ضعف. ويخطر بالبال وجه آخر:

وهو أنّ الكيّ في هذه الأعضاء للّذين يكنزون الذّهب والفضّة كالعلامة لهؤلاء في جهنّم من بين أهلها، كما أنّ اللّون الأحمر على ظهر الماشية ورأسها وعقبها علامة لصاحبها، وقد جاء في الرّوايات علامات لكلّ طائفة من أهل النّار. فالكيّ عذاب وعلامة لهم معا، وبذلك جمع اللّه لهم بين العذاب الجسمانيّ والروحانيّ.

ثالثا: الَّذِينَ يَكْنِزُونَ في الآية عطف على صدر الآية: إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ ... التّوبة: 34.

ولعلّها بيان وعلّة لها بمنزلة الكبرى للصّغرى، أي إنّ هؤلاء الأحبار والرّهبان من أظهر مصاديق الّذين يكنزون الذّهب والفضّة، وهم باعتبار منصبهم الّذي يحاكي الزّهد والإعراض عن الدّنيا يخفون الأموال الّتي اكتسبوها بالباطل، ويكنزونها ذهبا وفضّة لئلّا يطّلع عليها أتباعهم، فينكشف سرّهم، ويظهر خبث باطنهم، ويعرف أهل ملّتهم دغلهم وحيلهم، فشخّصهم اللّه بهذه العلامات من بين أهل النّار، وقد وبّخهم تهكّما في ذيل الآيتين ب فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ الانشقاق: 24، وفَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ التّوبة: 35، وبذلك جمع لهم بين الألم الجسمانيّ والألم الرّوحيّ مرّة أخرى.

رابعا: يبدو أنّ اختصاص هؤلاء بلفظ"الجباه"مرّة واحدة، في سورة مدنيّة- والمدينة موطن اليهود، وقد خصّ اللّه حوالي مئة من آيات سورة البقرة بهم- يكاد يكون إفشاء لسرّهم للمؤمنين ولأهل ملّتهم معا، ليجتنبوا دسائسهم، لاحظ"ح ب ر"، و"ر ه ب".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت