المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 45
وحاصل الوجهين أنّ الأمر في لَوْ لا اجْتَبَيْتَها يدور بين التّقوّل من عند نفسه، وبين الأخذ من ربّه، أي بين الافتراء على اللّه والاقتراح عليه، وكلاهما تعريض للنّبيّ عليه السّلام، فالأوّل تعريض له بأنّه يفتري على اللّه، والثّاني تعريض له بأنّه يدّعي القرب من اللّه بالرّسالة فيجيبه متى دعاه ويقبل منه ما اقترح عليه فلم لا يدعوه الآن ليجيبه فينزّل عليه الآية؟
وقد حكى الطّبريّ القولين، وفضّل الأوّل استنادا إلى ما بعده: قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي وعندنا أنّه ليس صريحا في نفي الافتراء، بل يحتمله كما يحتمل نفي الاقتراح، أي إنّي لا اقترح على اللّه الآيات، بل اتّبع ما أوحي إليّ من ربّي الّذي ربّاني وعلّمني وهداني بالوحي، من دون أن أقترح عليه شيئا. ويؤيّده ذيل الآية: هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ ...
والآية بعدها: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ....
ثالثا: توجد علاقة بين الاجتباء والبعث، بشأن الأنبياء، لاحظ"ب ع ث".
رابعا: الآيات كلّها مكّيّة سوى آية آل عمران (4) فهي خطاب للمؤمنين بأنّه سوف يختبرهم ويميّز بين الخبيث والطّيّب منهم لاختلاطهم بالمنافقين في المدينة، وفي نفس الوقت دفع لشبهة علم النّبيّ بالغيب، ولعلّ اليهود هم الّذين طرحوها وألقوها بين المؤمنين. وأمّا آية سورة الحجّ (10) فمردّدة بين المكّيّة والمدنيّة، كما سبقت منّا مرارا.
وسرّ اختصاصها بمكّة هو إصرار أهلها على إنكار النّبوّات رأسا فاحتاجوا إلى التّأكيد لها مرارا.