فهرس الكتاب

الصفحة 4598 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 52

إذا فزعت منه، وذلك أنّ المذعور يتجمّع"!"

ونحن نكرّر عليه سؤاله:"فكيف تقيس على هذا جثثت الشّي ء واجتثثته، إذا قلعته، والجثيث من النّخل:"

الفسيل، والمجثّة: الحديدة الّتي يقتلع بها الشّي ء"؟"

ولا نقتنع بقوله:"قياسه قياس الباب، لأنّه لا يكون مجثوثا إلّا وقد قلع بجميع أصوله وعروقه، حتّى لا يترك منه شي ء، فقد عاد إلى ما أصّلناه"لأنّه تمحّل بيّن.

ثمّ إنّ أصل ما أصّل عليه ليس من هذا الباب، لأنّ"الجثاجث"و"الجثجاث"من مادّة"ج ث ج ث"، ومعنى الفزع من المهموز، قال ابن السّكّيت:"قد جئف الرّجل وجئث وزئد، إذا فزع"، وقال الحربيّ في حديث النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم:"فجثثت منه"أراد"جئثت"فجعل مكان الهمزة ثاء. والجثّة: شخص الشّي ء، والجثّ: الأرض المرتفعة، وغلاف الثّمرة، من"الجفّة"و"الجفّ"، فالثّاء بدل عن الفاء، والفاء أكثر ما يعتري الثّاء من سائر الحروف عند الإبدال، مثل: الجدف والجدث، والفناء والثّناء، والفوم والثّوم، وغيرها كثير.

الاستعمال القرآنيّ

جاءت مرّة واحدة، في سورة مكّيّة: وقد سبقت يلاحظ أوّلا: أنّ (اجتثّت) جاءت وصفا لشجرة خبيثة نبتت على سطح الأرض لا قرار لها، مثلا لكلمة خبيثة لا بقاء لها، ومقابلة لكلمة"طيّبة"الّتي هي كشجرة طيّبة لها قرار ثابت في تخوم الأرض.

ثانيا: تمثيل الكلمة طيّبها وخبيثها بالشّجرة بنوعيها، من أجل نموّها وسرايتها وأثرها الباقي والزّائل.

لاحظ"ك ل م"و"ش ج ر".

ثالثا: جاء في جانب الكلمة"الطّيّبة"أنّها شجرة طيّبة أصلها ثابت وفرعها في السّماء. أمّا الكلمة"الخبيثة"فاجتثّت من فوق الأرض، فلا فرع لها، كما لا أصل لها، فلهذا سكت عن أصلها وفرعها واكتفى بأنّها اجتثّت من فوق الأرض.

رابعا: جاءت (اجتثّت) ماضيا مؤنّثا مجهولا من باب"الافتعال"الدّالّ على الضّعف مرّة واحدة، تقليلا وتحقيرا لها، كأنّها انفعلت وغابت عن الأذهان واختفت عن الآذان والأبصار، كأن لم تكن شيئا مذكورا، وهذا يحكي منتهى ضعفها، كما أنّ الكلمة الطّيّبة لها أصل في تخوم الأرض وفرعها في السّماء، ترتفع بلا حدود وإلى غير نهاية، وهذا يحكي منتهى قوّتها.

خامسا: جاءت الكلمة بنوعيها في آيتين، ثمّ طبّقهما اللّه في آية بعدها على فريقين: على المؤمنين الّذين وصفهم بأنّ اللّه يثبّتهم بإيمانهم الصّادق بالقول الثّابت في الحياة الدّنيا والآخرة، وعلى الظّالمين الّذين يضلّهم اللّه بظلمهم البالغ ويفعل بهم ما يشاء. فلم يذكر الحياتين بشأنهم اكتفاء بما سبق، وتعميما لحال الظّالمين بأنّ اللّه يفعل بهم ما يشاء من الذّلّ والهوان والعذاب في جميع الأحوال، وهي تشمل الدّنيا والأخرة، إلّا أنّ إهمال حالهم أبلغ من اختصاصها بالدّنيا والآخرة.

سادسا: وصف في هذه أهل"الكلمة الطّيبة"بالمؤمنين الّذين يثبّتهم اللّه بالقول الثّابت، وأهل"الكلمة الخبيثة"بالظّالمين الّذين يضلّهم اللّه، والبحث في الهداية والإضلال المنسوبتين إلى اللّه، يأتي في"ض ل ل"و"ه د ي"، فانتظر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت