المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 147
الجدار- مشتقّا منه. قال الصّاحب:"سمّي الجدار لأنّه جدر فارتفع كما يجدر الجدريّ والشّجرة"، وقال الرّاغب:"الجدار يقال اعتبارا بالنّتوء والارتفاع".
الاستعمال القرآنيّ
جاء منها (أجدر) مرّة، و (جدار) مفردا وجمعا (3) مرّات:
1 -الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
التّوبة: 97
2 -فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا الكهف: 77
3 -وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحًا فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا الكهف: 82
4 -لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ الحشر: 14
يلاحظ أوّلا: أنّ (اجدر) في (1) اسم تفضيل كالأشدّ- وقد عطف عليه- من قولهم: هو جدير بكذا، وقد أرجعه ابن فارس إلى"الجدار"لأنّ الجدير ممّا ينبغي أن تبني عليه كالجدار، وكذلك أبو هلال ربطه به لارتفاع الجدار، وأصل المادّة: الجدار ولازمه الارتفاع، لاحظ الأصول اللّغويّة.
ثانيا: هذه الآية من جملة آيات من سورة التّوبة، نزلت في المنافقين من الأعراب ومن أهل المدينة، فأعلنت بأنّ الأعراب- لبلادتهم وأمّيّتهم وانعزالهم عن الثّقافة والمعرفة الشّائعة في المدن- أشدّ كفرا ونفاقا، وأجدر من غيرهم بالجهل بحدود ما أنزل اللّه، فالجهل والتّأخّر الثّقافيّ، العقلانيّ يضاعفان الكفر والنّفاق، وهذا مشعر بأنّ الكفر والنّفاق من آثار الجهل والتّأخّر، فكلّما كانا أوفر، كان الكفر والنّفاق أشدّ وأرسخ.
وقد اعتبر اللّه الواقع فلم يحكم على الأعراب كافّة بالكفر والنّفاق بل استثنى المؤمنين منهم: وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ... التّوبة: 99، ثمّ جمع بين المنافقين من الأعراب ومن أهل المدينة:
وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ ... التّوبة: 101، وذلك بعد أن مدح السّابقين من المهاجرين والأنصار والّذين اتّبعوهم بإحسان، لئلّا يشتبهوا بالمنافقين. وهذا باب واسع من تقويم القرآن للنّاس الّذين أحاطوا بالنّبيّ عليه السّلام، حتّى أنّه فرّق بين المصرّين على النّفاق، وبين المعترفين منهم بالذّنوب، لاحظ الآيات قبلها وبعدها من هذه السّورة.
ثالثا: جاء (الجدار) مفردا في آيتين من سورة الكهف بشأن الجدار الّذي أقامه العبد الصّالح الّذي لازمه موسى في قرية أبى أهلها أن يضيّفوهما، فواجه اعتراض موسى. والجدار في (2) نكرة، وفي (3) معرفة، والتّعريف فيه للعهد الذّكريّ، فقد كرّر هذا اللّفظ في تلك