المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 478
القصّة الرّؤيا ونحوها، فإذا خلت قصّة من الرّؤيا أو ما شابهها من الأحداث والإرهاصات، فهي عارية عن ركن من أركانها.
وهذه الرّؤيا في نفس الوقت منطبقة تماما على ما شاع عند أرباب السّلوك، من لزوم نبوءة غيبيّة مبكّرة للسّالك المتعطّش الذي يرجى له الوصول إلى أعلى مراتب الكمال، لتكشف له في بداية سلوكه مستقبله البعيد المشرق الّذي ينتظره، لينقلب في سلوكه الملح الأجاج ماء فراتا سائغا، وتتذلّل له العقبات الكؤود، وتضاء له دياجير الظّلمات، ليرى موضع قدمه، حتّى يقطع الأشواط ويخطو الخطوات بقدم صدق مطمئنّ كالجبل الرّاسخ، لا تحرّكه العواصف، ولا تفرّق به السّبل عن سبيله، وعن الصّراط المستقيم.
وهذه الإرهاصات تحدث كما لو التقى في طليعة سيره برجل صالح أو مرشد كامل، يبشّره بما قدّر له من الازدهار في الكمال والازدياد في الأتباع وفي الجاه والمال، مثل لقاء موسى شعيبا، والتقاء النّبيّ محمّد صلّى اللّه عليه وآله بالرّاهب، ومثل ما قيل عن كثير من الشّيوخ الكمّل، كنبوءة العطّار النّيسابوريّ حول مستقبل العارف الرّوميّ، صاحب المثنوي، وهو طفل لم يتجاوز العاشرة.
فيوسف نبّى ء قبل كلّ شي ء بالرّؤيا، كما جاء في بدء القصّة: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ. يوسف: 4، ثمّ وفّق وألهم بحكايتها لأبيه النّبيّ الشّيخ المجرّب، فبشّره بمستقبله النّيّر إيماء بلا تفصيل، وتحذيرا ممّن يكيد له، ليقف يوسف بنفسه على تأويله بعد أن ذاق مرارة السّلوك، ولاقى ما لاقى من العذاب، إذ قال لأبيه: هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ يوسف: 100، فآيات بدء القصّة حافلة بمثل هذه الأسرار، على أنّ القصّة احتوت على رؤى أخرى، لها دخل في تغذية القصّة ونموّها، وما يؤول إليها أمرها.
حتّى أنّ يوسف عليه السّلام- وهو نبيّ- أعطي معجزة، وأيّد بها في نبوّته من نفس تأويل الرّؤيا، كما قال تعالى:
وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ يوسف: 21.
ثمّ إنّ الرّؤيا في ذاتها عجيبة، فالكواكب الأحد عشر جمعت مع الشّمس والقمر ساجدة كلّها ليوسف، وهو طفل لم يبلغ الحلم، في سنّ خاف عليه أبوه أن يأكله الذّئب، فهذا السّياق وتلك العناصر كانت كافية نبوءة وإرهاصا للطّفل، حتّى لو لم يصدر تأويلها على لسان الأب، إلّا أنّ الرّؤيا لا يوجد فيها عنصر الخوف والعناء، وكانت كلّها فأل حسن، وهذا ما كشف عنه أبوه له، إذ قال له: يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ يوسف: 5، منبّها له أنّ له في طريق الوصول إلى تلك المنزلة العليا- وهي سجود الشّمس والقمر والكواكب له- مخاطر وعقبات وصعاب وعناء، كلّه من قبل إخوتك الّذين هم الكواكب الأحد عشر، وأنّ الشّيطان هو الّذي سيبعثهم على إيذائه، رغم أنّهم إخوانه. وأمّا سرّ اختصاص تركيب (أحد عشر) بهذه القصّة وهذه السّورة من دون أن يكرّر في القرآن، فلم أهتدي إلى الآن إليه، سوى ما أومأت إليه من قبل، وللّه الأمر من قبل ومن بعد.
الخامس- وجاء مضافا إلى ضمير الجمع الغائب سبع مرّات: