فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 212
وفيهم الكثرة والغلبة. وأدنى المراتب، الّذين جبلوا على طبيعة المنازعة والمخاصمة، فقوله تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ معناه ادع الأقوياء الكاملين إلى الدّين الحقّ بالحكمة، وهي البراهين القطعيّة اليقينيّة، وعوامّ الخلق بالموعظة الحسنة، وهي الدّلائل اليقينيّة الإقناعيّة الظّنّيّة، والتّكلّم مع المشاغبين بالجدل على الطّريق الأحسن الأكمل.
ومن لطائف هذه الآية أنّه قال: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ فقصر الدّعوة على ذكر هذين القسمين، لأنّ الدّعوة إن كانت بالدّلائل القطعيّة فهي الحكمة، وإن كانت بالدّلائل الظّنّيّة فهي الموعظة الحسنة. أمّا الجدل فليس من باب الدّعوة، بل المقصود منه غرض آخر مغاير للدّعوة، وهو الإلزام والإفحام، فلهذا السّبب لم يقل: ادع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل الأحسن، بل قطع الجدل عن باب الدّعوة تنبيها على أنّه لا يحصّل الدّعوة، وإنّما الغرض منه شي ء آخر، واللّه أعلم.
واعلم أنّ هذه المباحث تدلّ على أنّه تعالى أدرج في هذه الآية هذه الأسرار العالية الشّريفة مع أنّ أكثر الخلق كانوا غافلين عنها، فظهر أنّ هذا الكتاب الكريم لا يهتدي إلى ما فيه من الأسرار إلّا من كان من خواصّ أولي الأبصار. (20: 138)
أبو السّعود: أي ناظر معانديهم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ بالطّريقة الّتي هي أحسن طرق المناظرة والمجادلة، من الرّفق واللّين، واختيار الوجه الأيسر، واستعمال المقدّمات المشهورة تسكينا لشغبهم، وإطفاء للهبهم، كما فعله الخليل عليه السّلام إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ الّذي أمرك بدعوة الخلق إليه، وأعرض عن قبول الحقّ بعد ما عاين من الحكم والمواعظ والعبر وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ إليه بذلك، وهو تعليل لما ذكر من الأمرين.
والمعنى- واللّه تعالى أعلم- أسلك في الدّعوة والمناظرة الطّريقة المذكورة، فإنّه تعالى هو أعلم بحال من لا يرعوي عن الضّلال، بموجب استعداده المكتسب، وبحال من يصير أمره إلى الاهتداء، لما فيه من خير جليّ، فما شرعه لك في الدّعوة هو الّذي تقتضيه الحكمة، فإنّه كاف في هداية المهتدين وإزالة عذر الضّالّين. أو ما عليك إلّا ما ذكر من الدّعوة والمجادلة بالأحسن، وأمّا حصول الهداية أو الضّلال والمجازاة عليهما فإلى اللّه سبحانه؛ إذ هو أعلم بمن يبقى على الضّلال وبمن يهتدي إليه، فيجازي كلّا منهما بما يستحقّه. (4: 104)
البروسويّ: [نحو أبي السّعود وأضاف:]
والآية دليل على أنّ المناظرة والمجادلة في العلم جائزة إذا قصد بها إظهار الحقّ.
قال الشّيخ السّمرقنديّ في تفسيره في هذه الآية، تنبيه على المدعوّ إلى الحقّ فرق ثلاث: فإنّ المدعوّ إلى اللّه بالحكمة قوم وهم الخواصّ، وبالموعظة قوم وهم العوامّ، وبالمجادلة قوم وهم أهل الجدال، وهم طائفة ذوو كياسة تميّزوا بها عن العوامّ، ولكنّها ناقصة مدنّسة بصفات رديئة من خبث وعناد وتعصّب ولجاج وتقليد ضالّ، تمنعهم عن إدراك الحقّ وتهلكهم، فإنّ الكياسة النّاقصة شرّ من البلاهة بكثير، ألم تسمع أنّ أكثر أهل الجنّة البله،