فهرس الكتاب

الصفحة 4760 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 213

فليستعمل كلّ منها مع ما يناسبها، فإنّه لو استعمل الحكمة للعوامّ لم يفد شيئا؛ حيث لم يفهموها، لسوء بلادتهم وعدم فطنتهم. (5: 97)

الآلوسيّ: [نحو أبي السّعود وأضاف:]

واستدلّ- كما قيل- أرباب المعقول بالآية على أنّ المعتبر في الدّعوة من بين الصّناعات الخمس إنّما هو البرهان والخطابة والجدل، حيث اقتصر في الآية على ما يشير إليها. وإنّما تفاوتت طرق دعوته عليه الصّلاة والسّلام لتفاوت مراتب النّاس.

فمنهم خواصّ، وهم أصحاب نفوس مشرقة قويّة الاستعداد لإدراك المعاني، قويّة الانجذاب إلى المبادئ العالية، مائلة إلى تحصيل اليقين على اختلاف مراتبه، وهؤلاء يدعون بالحكمة بالمعنى السّابق.

ومنهم عوامّ أصحاب نفوس كدرة ضعيفة الاستعداد، شديدة الألف بالمحسوسات، قويّة التّعلّق بالرّسوم والعادات، قاصرة عن درجة البرهان، لكن لا عناد عندهم، وهؤلاء يدعون بالموعظة الحسنة بالمعنى المتقدّم.

ومنهم من يعاند ويجادل بالباطل، ليدحض به الحقّ لما غلب عليه من تقليد الأسلاف، ورسخ فيه من العقائد الباطلة، فصار بحيث لا تنفعه المواعظ والعبر بل لا بدّ من إلقامه الحجر بأحسن طرق الجدال، لتلين عريكته وتزول شكيمته، وهؤلاء الّذين أمر صلّى اللّه عليه وسلّم بجدالهم بالتّي هي أحسن.

وإنّما لم تعتبر المغالطة والشّعر، لأنّ فائدة المغالطة تغليط الخصم والاحتراز عن تغليطه إيّاه، ومرتبة الرّسول عليه الصّلاة والسّلام تنافي أن يغلّط وتتعالى أن يغلّط، والشّعر وإن كان مفيدا للخواصّ والعوامّ، فإنّ النّاس في باب الإقدام والإحجام أطوع للتّخييل منهم للتّصديق، إلّا أنّ مداره على الكذب، ومن ثمّة قيل:

"الشّعر أكذبه أعذبه"فلا يليق بالصّادق المصدوق، كما يشهد به قوله تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ يس: 69.

لا يقال: الشّعر الّذي هو أحد الصّناعات قياس مؤلّف من مقدّمات مخيّلة، والشّعر الّذي مداره على الكذب هو الكلام الموزون المقفّى، وهو الّذي نفى تعليمه عنه صلّى اللّه عليه وسلّم.

لما قيل: كون الشّعر مذموما، ليس لكونه كلاما موزونا مقفّى بل لاشتماله على تخيّلات كاذبة، فهما من واد واحد، ذكر ذلك بعض المتأخّرين.

وقد ذهب غير واحد إلى أنّ فيها إشارة إلى تفاوت مراتب المدعوّين، إلّا أنّه خالف في بعض ما تقدّم، ففي"الكشف"بعد أن ذكر أنّ كلام الزّمخشريّ يدلّ على أنّه عليه الصّلاة والسّلام ينبغي أن يجمع في الدّعوة بين الثّلاث، فيكون الكلام في نفسه حسن التّأليف منتجا لما علق به من الغرض، ومع ذلك مقصودا به المناصحة لمن خوطب به، ويكون المتكلّم حسن الخلق في ذلك، معلّما ناصحا شفيقا رفيقا ما نصّه: والأحسن على ما ذهب إليه المحقّقون أنّه تعميم للدّعوة حسب مراتب المدعوّين في الفهم والاستعداد، فمن دعا بلسان الحكمة ليفاد اليقين العيانيّ أو البرهانيّ هم السّابقون، ومن دعا بالموعظة الحسنة وهي الإقناعات الحكميّة لا الخطابات المشهورة طائفة دون هؤلاء، ومن دعا بالمجادلة الحسنة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت