فهرس الكتاب

الصفحة 476 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 484

أب حنون، يريد أن يجزي موسى أجر ما سقاه لهما. فمشت هي، ومشى موسى خلفها، ناظرا بطرف خفيّ إلى قامتها- ذلك كلّه لفت انتباه الفتى وألقى حبّها في سويداء قلبه، وهو الآخر لا يشعر به أيضا، بل أحسّ في نفسه رجاء بالمستقبل فقط. ثمّ قول البنت الّتي مشت لتدعو موسى لأبيها: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ، فيه معنى لم تشعر به البنت ولا موسى، لأنّها كلمة خرجت من لسانها، منبعثة من ذلك الحبّ الخفيّ في باطنها، دون أن تشعر ولا تشعر به أحدا، وقد أخذت في قلب موسى مأخذها، دون أن يشعر هو أيضا بذلك، هذه هي حالة الفتى والفتاة.

وأمّا شعيب النّبيّ اليقظ، فقد فطن هذا الحبّ المتبادل في قلبي الفتاة والفتى وقرأ ما في ضميرهما وكأنّه رآه رأي العين، ولكنّه لم يشعرهما بذلك، فبادر إلى موسى قائلا:

إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ، فلم يبد سرّهما، بل أبهم الكلام إبهاما، ويكمن في هذا الإبهام- المتكرّر ثلاث مرّات: (احديهما) مرّتين، و (احدى ابنتىّ هاتين) مرّة واحدة- لطف وبلاغة، لا يدركهما إلّا الأديب البارع، المضطلع بعلم النّفس، والّذي ذاق في حياته طعم الحبّ العذريّ الصّادق النّزيه. ويتجلّى في هذا السّياق أوج الإعجاز البلاغيّ للقرآن، وتعكس الكلمات المتبادلة بين موسى وشعيب حول هذا الزّواج المبارك هذا الهوى العذريّ والحبّ النّزيه، واللّه هو العالم بسرّ كتابه.

ج- إلى ضمير جمع المؤنّث الغائب مرّة واحدة:

وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا

النّساء: 20

يلاحظ أنّ موضوع الآية مهر النّساء وصدقاتهنّ، حيث أكّد القرآن على المحافظة عليها، وضرورة إعطائهنّ حقوقهنّ، في الآية السّابقة لهذه الآية واللّاحقة لها. إلّا أنّ فيها مزيّة خاصّة بها، وهي إرادة استبدال زوج مكان زوج الّتي تحدث كثيرا للمفرطين في الزّواج. وعند ذلك تكون الزّوجة تحت وطأة الزّوج الّذي أراد فراقها في صداقها، طموحا إلى المرأة الّتي أراد وصلها، فيجحد حقّ الأولى بهتانا وافتراء بأنّها أخذت حقّها من الصّداق من ذي قبل، أو أنّ مقدار صداقها لم يكن مطابقا لما تدّعيه، أو نحو ذلك من الخلط والتّمويه، ليبلغ أربه من العشق الثّاني والثّالث وهكذا.

ونحن نعتبر هذه الحالة أشدّ الحالات حسّاسيّة للرّجال، فخصّها القرآن بالبحث على حدة، كما خصّ لفظ (احديهنّ) بها أيضا، ليكون معلما لها، ولم يكرّره وهذا نظير ما سبق في (أحد عشر) و (أحدكما) و (أحدنا) .

الحادي عشر: يلاحظ أنّ للفظة (أحد) و (إحدى) في القرآن محورين:

المحور الأوّل: ما كان دائرا في فلك المخلوقات، ويغلب عليه الاستعمال في سياق النّفي أو ما في معناه، كما رأينا في الآيات المتقدّمة، ومثل قوله: وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا الجنّ: 2. وفَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا الجنّ: 18.

وقد يأتي أيضا في سياق الإيجاب مضمّنا معنى التّجريد إلى حدّ ما في:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت