فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 215
الحقيقيّ في اعتقاداتهم، بدليل الموعظة الحسنة، وهي الدّليل العقليّ اليقينيّ الّذي يلزم منه اليقين في الإيمان به سبحانه وبغيره ممّا أمرهم بالإيمان به، وهو آلة لعلم الطّريقة وتهذيب الأخلاق وعلم اليقين والتّقوى- وهذه العلوم وإن كانت قد تستفاد من غيره، ولكن بدون ملاحظته لا يوقف على اليقين والاطمئنان الّذي هو أصل علم الأخلاق، ومستنده القلب والنّقل، وشرط صحّته والانتفاع به اتّصاف عقلك به بأن تلزم ما ألزمك به ولا تظلمه، وهو كقوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ فصّلت: 52، وقوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الأحقاف: 10، إلى غير ذلك ممّا لا يحصى كثرة.
وإن كانوا من العلماء أصحاب الرّسوم كالمتكلّمين ونظائرهم، فدعوتهم إلى الحقّ الّذي يريده سبحانه من اليقين الرّسميّ، بمقتضى طبيعتهم القاصرة، بدليل المجادلة بالّتي هي أحسن وهي الدّليل العلميّ القطعيّ الّذي يلزم منه العلم فيما ذكر، وهو آلة لعلم الشّريعة، ومستنده العلم والنّقل، وشرطه إنصاف الخصم بأن يقيمه على النّحو المقرّر في علم الميزان، وقد ذكره العلماء في كتبهم الأصوليّة والفروعيّة بل لا يكاد يسمع منهم غير هذا الدّليل، وهو محلّ المناقشات والمعارضات.
وأمّا الدّليلان الأوّلان فليس فيهما مناقشة ولا معارضة، فإذا اعترض عليهما معترض فقد اعترض فيهما بغيرهما اه المراد منه وهو كما ترى، وإنّما ذكرته لتعلم حال المرؤوس من حال الرّئيس، ولقد رأيت مشايخ هذه الطّائفة يتكلّمون بما هو كشوك القنافذ ويحسبونه كريش الطّواويس.
وجوّز أن يراد بالحكمة والموعظة الحسنة: القرآن المجيد فإنّه جامع لكلا الأمرين، فكأنّه قيل: ادع بالقرآن الّذي هو حكمة وموعظة حسنة، وقيل غير ذلك، ومنه أنّ الحكمة: النّبوّة وليس من الحكمة، وفسّر بعضهم المجادلة الحسنة: بالإعراض عن أذاهم وادّعى أنّ الآية منسوخة بآية السّيف، والجمهور على أنّها محكمة وأنّ معنى الآية ما تقدّم، ولكون الحكمة أعلى الدّلائل وأشرفها والمدعوّون به الكاملون الطّالبون للمعارف الإلهيّة والعلوم الحقيقيّة، وقليل ما هم جي ء بها أوّلا، ولكون الجدل أدنى الدّلائل إذ ليس المقصود منه سوى إلزام الخصم وإفحامه، ولا يستعمل إلّا مع النّاقصين الّذين تغلب عليهم المشاغبة والمخاصمة، وليسوا بصدد تحصيل هاتيك العلوم ذكر أخيرا، ولكون الموعظة الحسنة دون الحجّة وفوق الجدل، والمدعوّون بها المتوسّطون الّذين لم يبلغوا في الكمال حدّ الحكماء المحقّقين، ولم يكونوا في النّقصان بمرتبة أولئك المشاغبين، وسطت بين الأمرين، وكأنّه إنّما لم يقل: ادع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة والجدال الأحسن. لما أنّ الجدال ليس من باب الدّعوة بل المقصود منه غرض آخر مغاير لها، وهو الإلزام والإفحام، كما قاله الإمام، فليفهم.
الطّباطبائيّ: والجدال هو الحجّة الّتي تستعمل لفتل الخصم عمّا يصرّ عليه وينازع فيه، من غير أن