فهرس الكتاب

الصفحة 4763 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 216

يريد به ظهور الحقّ بالمؤاخذة عليه، من طريق ما يتسلّمه هو والنّاس، أو بتسلّمه هو وحده، في قوله أو حجّته. فينطبق ما ذكره تعالى من الحكمة والموعظة والجدال بالتّرتيب على ما اصطلحوا عليه في فنّ الميزان، بالبرهان والخطابة والجدل.

غير أنّه سبحانه قيّد الموعظة بالحسنة، والجدال بالتّي هي أحسن. ففيه دلالة على أنّ من الموعظة ما ليست بحسنة، ومن الجدال ما هو أحسن وما ليس بأحسن ولا حسن، واللّه تعالى يأمر من الموعظة بالموعظة الحسنة، ومن الجدال بأحسنه.

ولعلّ ما في ذيل الآية من التّعليل بقوله: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ يوضّح وجه التّقييد، فمعناه أنّه سبحانه أعلم بحال أهل الضّلال في دينه الحقّ، وهو أعلم بحال المهتدين فيه، فهو يعلم أنّ الّذي ينفع في هذا السّبيل هو الحكمة والموعظة الحسنة والجدال الأحسن، لا غير.

والاعتبار الصّحيح يؤيّد ذلك، فإنّ سبيله تعالى هو الاعتقاد الحقّ والعمل الحقّ. ومن المعلوم أنّ الدّعوة إليه بالموعظة مثلا ممّن لا يتّعظ بما يعظ به دعوة عملا إلى خلاف ما يدعو إليه القول، والدّعوة إليه بالمجادلة مثلا بالمسلّمات الكاذبة الّتي يتسلّمها الخصم لإظهار الحقّ، إحياء لحقّ بإحياء باطل، وإن شئت فقل: إحياء حقّ بإماتة حقّ، إلّا أن يكون الجدال على سبيل المناقضة.

ومن هنا يظهر أنّ حسن الموعظة إنّما هو من حيث حسن أثره في الحقّ الّذي يراد به، بأن يكون الواعظ نفسه متّعظا بما يعظ، ويستعمل فيها من الخلق الحسن ما يزيد في وقوعها من قلب السّامع موقع القبول، فيرقّ له القلب، ويقشعرّ به الجلد، ويعيه السّمع، ويخشع له البصر.

ويتحرّز المجادل ممّا يزيد في تهييج الخصم على الرّدّ والعناد، وسوقه إلى المكابرة واللّجاج، واستعمال المقدّمات الكاذبة وإن تسلّمها الخصم إلّا في المناقضة، ويحترز سوء التّعبير والإزراء بالخصم وبما يقدّسه من الاعتقاد والسّبّ والشّتم، وأيّ جهالة أخرى، فإنّ في ذلك إحياء للحقّ بإحياء الباطل، أي إماتة الحقّ كما عرفت.

والجدال أحوج إلى كمال الحسن من الموعظة، ولذلك أجاز سبحانه من الموعظة حسنتها، ولم يجز من المجادلة إلّا الّتي هي أحسن.

ثمّ إنّ في قوله: بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أخذا بالتّرتيب من حيث الأفراد، فالحكمة مأذون فيها بجميع أفرادها، والموعظة منقسمة إلى حسنة وغير حسنة، والمأذون فيها منهما هي الموعظة الحسنة، والمجادلة منقسمة إلى حسنة وغير حسنة، ثمّ الحسنة إلى الّتي هي أحسن وغيرها، والمأذون فيها منها الّتي هي أحسن. والآية ساكتة عن توزيع هذه الطّرق بحسب المدعوّين بالدّعوة، فالملاك في استعمالها من حيث المورد حسن الأثر وحصول المطلوب، وهو ظهور الحقّ.

فمن الجائز أن يستعمل في مورد جميع الطّرق الثّلاث، وفي آخر طريقان أو طريق واحد حسب ما تستدعيه الحال ويناسب المقام. (12: 371)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت