فهرس الكتاب

الصفحة 4806 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 259

ما يسكن روعتها: كإثمارها بدون رأس، وفي وقت الشّتاء الّذي لم يعهد ذلك فيه، ومن غير لقاح كما هو المعتاد، وفي ذلك إشارة أيضا إلى أنّ أصلها ثابت وفرعها في السّماء، وإلى أنّ ولدها نافع كالثّمرة الحلواء، وأنّه عليه السّلام سيحيي الأموات، كما أحيا اللّه بسببه الموات، مع ما في ذلك من اللّطف بجعل ثمرتها خرسة لها. [أي طعاما لها]

ثانيا: قالوا: في الباء من وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ أنّها زائدة، مثل وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ البقرة: 195، لكنّا لا نوافق فيها ولا في غيرها أن يكون في القرآن حرف زائد، بلا نكتة، فهذا بعيد عن بلاغة القرآن، وقد ذكروا لها وجوها:

منها قول الطّبريّ أنّها كما يقال: زوّجتك فلانة، وزوّجتك بفلانة، وكما قال: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ المؤمنون: 20، وإنّما تفعل العرب ذلك لأنّ الأفعال تكنّى بها بالباء، فيقال إذا كنيّت عن"ضربت عمرا": فعلت به، وكذلك كلّ فعل، فلذلك تدخل الباء في الأفعال وتخرج، فيكون دخولها وخروجها بمعنى، فمعنى الكلام:

وهزّي إليك جذع النّخلة. ثمّ قال:"و لو فسّروه: وهزّي إليك رطبا بجذع النّخلة، بمعنى على جذع النّخلة، لكان وجها، ولكن لست أحفظ عن أحد فسّره كذلك".

وحاصل ما ذكره وجهان:

أحدهما: أنّ الباء هنا تشعر بالتّكنية عن"الهزّ"بالفعل، كأنّه قال: هزّي إليك جذع النّخلة، وافعلي بها ذلك، فجمع بين التّصريح والتّكنية تأكيدا.

ثانيهما: بالتزام التّقديم والتّأخير فيهما، أي: وهزّي إليك رطبا بجذع النّخلة، أي على جذع النّخلة.

ومنها قول الزّمخشريّ والطّبرسيّ: إنّ الباء وصلة للتّأكيد، كقوله: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ أو على معنى افعلي الهزّ. وحاصل قولهما وجهان أيضا؛ ثانيهما مثل الوجه الأوّل عند الطّبريّ. وابن عطيّة اختار الوجه الأوّل منه، وهو الزّيادة تأكيدا، إلّا أنّه قال في التّمثيل:"و في هذا التّمثيل عندي نظر".

ومنها قول الآلوسيّ: إنّ الباء للآلة، كما في"كتبت بالقلم"وقد فضّله على غيره من الوجوه الّتي ذكرها، ولا بأس به، إلّا أنّه يخطر بالبال أنّ الباء في مثله تشير إلى صعوبة الفعل وأنّه يحتاج إلى الاستعانة عليه بشي ء، فلا يصدر إلّا به.

وثالثا: وبعد هذا كلّه فعليك بأن تلوك الآيتين مرّة بعد أخرى لتتذوّق بلاغة القرآن، وتدرك جمالها، وتقف على إعجازها.

رابعا: الجذوع في (3) جمع جذع، وجاء (فى جذوع) مكان"على جذوع"فيظهر من ابن عبّاس أنّ (فى) عنده بمعنى"على"وتبعه بعضهم.

وهناك وجوه أخرى:

1 -إنّما صلحت (فى) لأنّه يرفع في الخشبة في طولها، فصلحت (فى) و"على"كلاهما، لأنّه يرفع فيها فيصير عليها، ونظيره: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ البقرة: 102.

2 -إنّ الجذع للمصلوب بمنزلة القبر للمقبور.

3 -شبّه تمكّن المصلوب في الجذع بتمكّن الشّي ء المرعى في وعائه، فقال: فِي جُذُوعِ النَّخْلِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت