المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 346
2 -وقولهم: اجترع العود، أي كسره، من"اجتزعه"بالزّاي المعجمة، يقال منه: اجتزعت من الشّجرة عودا، أي اقتطعته واكتسرته. وكذا وتر مجزّع.
بعضه مستقيم وبعضه ذو نتوء، فهو من"ج ز ع".
3 -وقال العدنانيّ في"جرع الماء وجرعه": أنا أوثر"جرع الماء"، لأنّ العرب جميعا: أدباءهم وعامّتهم- كما أرجّح- يستعملون الفعل"جرع"، ولم أسمع"جرع"- خلال عمري الطّويل- إلّا نادرا جدّا.
ولكنّ هذا التّعليل غير سديد، لأنّ العرب اليوم ذوو عيّ وحصر، وفي كلامهم لحن وهذر- كما تحفل نصوص الأدباء في هذا العصر بالغلط والخطل، فلا يحتجّ بهم، وإنّما يحتجّ بالقدامى، فهم ذوو لسن وذرابة، وبيان وخلابة، فقد أطبقوا جميعا على استعمال"جرع"، أمّا"جرع"فقد أنكره الأصمعيّ.
الاستعمال القرآنيّ
جاء منها لفظ واحد (يتجرّعه) في سورة مكّيّة:
وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ* يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ إبراهيم: 16، 17
يلاحظ أوّلا: أنّ جرع الماء: شربه جرعة، وتجرّعه:
يشربه جرعة جرعة كالمتكاره، ولذلك جاء الفعل في الآية بصيغة"التّفعّل"في سياق الإنذار والتّعذيب، وإكراههم بشرب الصّديد في جهنّم، فقبلها وصفا للّذين كفروا برسلهم: وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ* مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى ...
فقد جمع اللّه لهؤلاء كلّ صفة ذميمة، وكلّ عذاب روحيّ وجسميّ حتّى في شرابهم، فقال: (وَ اسْتَفْتَحُوا) أي أنّ هؤلاء في محاجّتهم للرّسل ينتظرون الفتح والنّصر عليهم، لكن يواجهون بالخيبة في أمنهم. وهذا عذاب روحيّ لهم؛ إذ إنّهم من زمرة كلّ جبّار عنيد، أي من جمع بين العناد والجبر بعدوّه وهذا وصف لأنفسهم الخبيثة الظّالمة كما وصفهم ب (الظّالمين) قبلها: لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ إبراهيم: 13. وما ذكرناه في معنى استفتحوا) أحسن من غيره. لاحظ"ف ت ح".
ثمّ بدأ بعد ذلك بوصف عذابهم، بما يناسب ويلائم أوصافهم هذه فقال: مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ أي من وراء هذا الجبّار العنيد جهنّم، وهي دار كلّ عذاب وبلاء.
والإنسان مقبل من الدّنيا إلى الآخرة فيتخيّل أنّ المناسب أن يقول:"من أمامه"بدل (من ورائه) . قال الطّبرسيّ (3: 308) :"و إنّما جاز في الزّمان أن يسمّى"الأمام""وراء"وإن لم يجز في غيره، لأنّ الزّمان المستقبل، كأنّه خلفهم، لأنّه يأتي فيلحقهم كما يلحق الإنسان من خلفه."
وعندنا أنّ النّكتة في (وراء) هنا الإشعار بأنّ جهنّم نتيجة أعمالهم وأوصافهم المشار إليها، فهي عقوبة عليها والعقوبة تبع للمساوئ والسّيّئات، فهذا في معنى قوله فيما بعد: وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ. لاحظ"و ر ي".
ثمّ ركّز أشقى عذاب لهم في جهنّم وهي بيت النّار ودار الحريق المستتبعة، لغلبة العطش على أهلها، فقال:
وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ والصّديد: ما يسيل من الدّم والقيح من الجرح ويشمئزّ الطّبع من شربه. وفي الآية تلميح بذلك تفكّها، لأنّ السّقي يتبادر منه الإحسان على