المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 347
العطشان بما يرفع عطشه، لكن لمّا وقع على ماء صديد فيشعر بأنّه مكره على شرب ما يشمئزّ منه. لكن عبّر عنه بالسّقي، فيكون وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ نظير:
ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ آل عمران: 181، (لاحظ ذوق) وإشعارا بكلّ ذلك قال: يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ كما يأتي.
ثانيا: قالوا في مجي ء (يتجرّعه) من"التّفعّل"وجوها:
1 -إنّه للتّكلّف: أي يتجرّعه بكلفة جرعة بعد جرعة لمرارته وحرارته ونتنه واشمئزازه منه، ومعنى التّكلّف أنّه يكابد الفعل عسى أن يظفر به، مثل تشجّع، أي كلّف نفسه الشّجاعة لتحصل.
2 -للاستمرار: جرعة جرعة قال الطّوسيّ: التّجرّع:
تناول المشروب جرعة جرعة على الاستمرار.
3 -إنّه للمطاوعة كأنّ السّاقي يسقيه وهو ينفعل به فيتجرّع، نظير: علّمه فتعلّم.
4 -بمعنى جرعه، فالمجرّد والمزيد منه واحد، نظير:
عدا الشّي ء وتعدّاه.
5 -عن ابن عبّاس: يستمسك الصّديد في حلقه، وهذا التّفسير للجملتين يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ لا ل (يتجرّعه) خاصّة. فكأنّه مطاوعة (يسقى) من غير لفظه.
والمناسب للسّياق كما علمت هو الأوّل،- أو هو مع الثّاني- ويساوقه: وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ فإنّ الإساغة:
إجراء الشّراب في الحلق، لكن هذا الشّارب يمسك الشّراب في حلقه لحظة لكراهته، كما يتجرّع المريض دواء مرّا. ولاحظ كيف جمع اللّه في هذه الآية بين التّجرّع والإسغاء، ولهما علاقة بالشّرب، فأثبت التّجرّع ونفي الإسغاء.
ثمّ لاحظ كيف شدّد وأكّد كراهته للشّرب بقوله:
وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ أي أنّه في شربه الصّديد كأنّه يأتيه الموت من كلّ مكان، أو يتمنّى الموت من كلّ مكان، لكنّه لا يموت.
ثالثا: قالوا في محلّ إعراب (يتجرّعه) : إنّه جرّ صفة للماء في (ماء صديد) أو نصب حالا منه، أي حال كونه يتجرّع الماء، أو حال كون الماء كذلك، أو استئناف جوابا لسؤال محذوف، كأنّه قيل: فماذا يفعل بهذا الماء الصّديد؟
فأجيب: يتجرّعه، أي يتكلّف بشربه تكلّفا شديدا، كما ذكر.
وعندنا أنّ الجملتين حالان من نائب الفاعل في وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ أي يسقى منه، وهو يتجرّعه ولا يكاد يسيغه. وكذلك ما بعدهما. وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ ...