المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 356
والجرف: الأخذ الكثير، يقال: جرف الشّي ء يجرفه جرفا واجترفه، أي أخذه أخذا كثيرا، وكانت المرأة ذات لثة فاجترفها الطّبيب، أي قشرها عن الأسنان قطعا، وجرفت الطّين: كسحته، وبنان مجرف: كثير الأخذ من الطّعام.
والمجرف، والمجرفة: ما جرف به. والجراف والجراف: مكيال ضخم، كأنّه يجرف ما يكال به جرفا.
2 -أمّا قولهم: رجل مجرّف، قد جرّفه الدّهر، أي اجتاح ماله وأفقره، وجرف النّبات: أكل عن آخره، وكذا جرفة الخبز: كسرته، فهو من"ج ل ف"لاحظ ذلك في موضعه المذكور. والمجراف: سكّين يكون للطّبيب، من"ح ر ف". وورد قولهم: جرف في ماله جرفة، أي ذهب منه شي ء، في"ج ل ف"و"ح ر ف".
كما أنّ بين مادّتي"ج ر ف"و"ح ر ف"اشتقاقا أكبر، يقال: رجل مجارف ومحارف، أي فقير، وهو الّذي لا يكسب خيرا.
الاستعمال القرآنيّ
جاء منها لفظ واحد (جرف) في سورة مدنيّة:
أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ ... التّوبة: 109
يلاحظ أوّلا: أنّ (الجرف) - بسكون الرّاء وضمّة كما قرئ بهما- جاء منكّرا في سياق وهن وضعف وذمّ، قبال: (تقوى ورضوان) منكّرتين أيضا، في سياق قوّة ومدح، و (جرف) يحاكي شيئا مادّيّا لا يعبأ به، موصوفا ب (هار) الدّالّ على السّقوط، و (تقوى ورضوان) يحاكيان أمرين معنويّين، ينبغي أن يهتمّ بهما اهتماما بالغا، موصوفين بأنّهما من اللّه مصدر القوّة والقدرة.
فالتّقابل بينهما وبين (جرف) بلغ أوجه في الآية:
فهذا واحد موهون، كأنّه وجد بلا غاية ولا فاعل، ينهار صاحبه في نار جهنّم، وهو من الظّالمين، وهما إثنان قويّان متّصلان بمصدر القوّة والاقتدار، واهب الخيرات، وهما خيران وصاحبهما من أهل الرّضوان، الّذين جاء فيهم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ المائدة: 119، مع أنّ كلّا من (جرف وتقوى ورضوان) جاء نكرة مجرورا ب (على) متعلّق ب (اسّس) الدّال على القدرة والاستحكام، لاحظ:"أ س س".
إلّا أنّ التّأسيس فيهما جاء على كماله وحقيقته، وفي (جرف) مجازا للتّقابل فقط، نظير وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ آل عمران: 54، ويُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ النّساء: 142، والتّنكير فيهما للتّعظيم والتّعمية، ليذهب ذهن السّامع فيهما إلى كلّ مذهب ممكن من القوّة والكمال، وفي (جرف) للتّحقير والوهن والذّمّ.
ثانيا: (جرف) - كما جاء في اللّغة- ما أجرفه السّيل من ساحل الوادي وبقي مشرفا على السّقوط، فالبناء عليه ينهدم ولا يرجى بقاؤه، فالمراد به القطعة من الأرض. لكن المصطفويّ قال: إنّ الجرف: السّيل نفسه دون هذا المكان، لأنّه معنى مجازيّ للكلمة، ولأنّ السّقوط والانهيار يتحقّق في شفا السّيل وطرفه لا في طرف المكان الّذي يذهب السّيل به، وأنّ (هار) صفة ل (شفا) لا ل (جرف) . وهذا باطل من وجوه: