فهرس الكتاب

الصفحة 4939 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 392

نوح، قل: يا نوح، إن افتريته فعليّ إجرامي وأنا بري ء ممّا تجرمون. وعلى هذا فالكلام مشتمل على نوع التفات من الغيبة إلى الخطاب، وهذا بعيد عن سياق الكلام غايته.

وفي قوله: وَأَنَا بَرِي ءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ إثبات إجرام مستمرّ لهم، وقد أرسل إرسال المسلّمات، كما في قوله:

فَعَلَيَّ إِجْرامِي من إثبات الجرم، وذلك أنّ الّذي ذكر من حجج نوح إن كان من الافتراء كان كذبا؛ من حيث إنّ نوحا عليه السّلام لم يحتجّ بهذه الحجج وهي حقّة، لكنّها من حيث إنّهاحجج عقليّة قاطعة لا تقبل الكذب، وهي تثبت لهؤلاء الكفّار إجراما مستمرّا، في رفض ما يهديهم إليه من الإيمان والعمل الصّالح، فهم في خروجهم عن مقتضى هذه الحجج مجرمون قطعا، والنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مجرم لا قطعا بل على تقدير أن يكون مفتريا، وليس بمفتر. (10: 218)

مكارم الشّيرازيّ: 1 -"الإجرام"مأخوذ من مادّة"جرم"على وزن"جهل"وكما أشرنا إلى ذلك سابقا فإنّ معناه قطف الثّمرة غير النّاضجة، ثمّ أطلقت على كلّ ما يحدث من عمل سيّ ء، ونطلق على من يحثّ الآخر على الذّنب أنّه أجرم؛ وحيث إنّ الإنسان له ارتباط في ذاته وفطرته مع المعنويّة والطّهارة، فإنّ الإقدام على الذّنوب يفصل هذا الارتباط الإلهيّ منه.

2 -واحتمل بعض المفسّرين أنّ الآية الأخيرة ليست في نبيّ الإسلام، بل هي في نوح عليه السّلام نفسه، لأنّ جميع هذه الآيات تتحدّث عن نوح عليه السّلام والآيات المقبلة تتحدّث عنه أيضا، فمن الأنسب أن تكون هذه الآية في نوح عليه السّلام، والجملة الاعتراضيّة خلاف الظّاهر، ولكن مع ملاحظة ما يلي:

أوّلا: إنّ شبيه هذا التّعبير وارد في سورة الأحقاف الآية (8) في نبيّ الإسلام.

ثانيا: ما جاء في نوح عليه السّلام في هذه الآيات جميعه بصيغة الغائب، ولكن الآية- محلّ البحث- جاءت بصيغة المخاطب، ومسألة الالتفات- أي الانتقال من ضمير الغيبة إلى المخاطب- خلاف الظّاهر، وإذا أردنا أن تكون الآية في نوح عليه السّلام فإنّ جملة (يقولون) الّتي هي بصيغة المضارع، وجملة (قل) الّتي هي بصيغة الأمر، فإنّهما جميعا يحتاجان إلى التّقدير.

ثالثا: هناك حديث في تفسير"البرهان"في ذيل هذه الآية عن الإمامين الصّادقين الباقر والصّادق عليهما السّلام يبيّن أنّ الآية المتقدّمة نزلت في كفّار مكّة ونبيّ الإسلام.

من مجموع هذه الدّلائل نرى أنّ الآية تتعلّق بنبيّ الإسلام، والتّهم الّتي وجّهت إليه من قبل كفّار مكّة، وجوابه عليهم.

وينبغي هنا ذكر هذه المسألة الدّقيقة، وهي أنّ الجملة الاعتراضيّة ليست كلاما لا علاقة له بأصل القول، بل غالبا ما تأتي الجمل الاعتراضيّة لتؤكّد بمحتواها مفاد الكلام وتؤيّده، وإنّما ينقطع ارتباط الكلام أحيانا لتخفّ على المخاطب رتابة الإيقاع وليبعث الجدّة واللّطافة في روح الكلام. وبالطّبع فإنّ الجملة الاعتراضيّة لا يمكن أن تكون أجنبيّة عن الكلام بتمام المعنى، وإلّا فتكون على خلاف البلاغة والفصاحة، في حين أنّنا نجد دائما في الكلمات البليغة والفصيحة جملا اعتراضيّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت