المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 398
الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ المؤمن: 43
يلاحظ أوّلا: أنّ الآيات تدور حول محورين: الجرم والإجرام، ولا جرم.
ثانيا: جاء من المحور الأوّل في (1 - 8) الفعل المضارع مجرّدا 3 مرّات: (1 - 3) ومزيدا مع المصدر مرّة:
8، والفعل الماضي مزيدا 4 مرّات: (4 - 7) ففيها توازن عدديّ تماما بين الماضي والمضارع، وبين المجرّد والمزيد إلى حدّ، مع غلبة المزيد.
ثالثا: جاء الفعل المجرّد في الثّلاث الأولى مؤكّدا بالنّون منفيّا في سياق واحد، نهيا عن التّعدّي بحال من صدر عنه سوء، تشفّيا به أو انتقاما منه، فقد جاء في (1) و (2) آيتين من صدر سورة المائدة النّازلة في حجّة الوداع، خلال أحكام الحجّ مكرّرا ومؤكّدا، خطابا إلى المؤمنين الّذين جاءوا من خارج الحرم مع النّبيّ عليه السّلام حاجّين، نهيا عن أن يحرموا على أهل مكّة، بحجّة أنّهم صدّوهم عن الحجّ في الحديبيّة، تعبيرا عن بغضهم لهم ب شَنَآنُ قَوْمٍ، فنهاهم عن التّعدّي عليهم، وأمرهم في (1) بدل التّعدّي والانتقام، بالتّعاون على البرّ والتّقوى، ورفض التّعاون على الإثم والعدوان، مشفوعا بأنّ اللّه شديد العقاب، وفي (2) بالقسط والعدل والتّقوى، مشفوعا بأنّ اللّه خبير بما تعملون.
وجاء في (3) قول شعيب لقومه بنفس الأسلوب:
يا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي فجاء فيه بدل (شنآن) (شقاق) .
رابعا: قالوا في معنى لا يَجْرِمَنَّكُمْ: لا يكسبنّكم جرما أو (لا يحملنّكم) على جرم ونحوهما.
وفي تفسير الطّبريّ (3: 168) : وقيل: (لا يجرمنّكم) أي لا يدخلنّكم في الجرم، كما يقال: أثمته، أي أدخلته في الإثم.
وقد قرأت (1) (لا يجرمنّكم) بضمّ الياء، ورجّح الطّبريّ- وتبعه غيره- قراءة الفتح فيها، لأنّها اللّغة المعروفة السّائرة في العرب، وشذّ"أجرم يجرم"ولاستفاضة القراءة بها في قرّاء الأمصار. ونحن نضيف:
ولموافقته سياقا للآيتين الأخريين؛ حيث لم تقرأ فيهما بالضّمّ.
والظّاهر: أنّ معنى لا يدخلنّكم في الجرم خاصّ بقراءة الضّمّ المرويّة في (1) فقط، أمّا الفتح فيجري في الآيات الثّلاث، فلا مجال فيها إلّا معنى الكسب والحمل على الجرم، ولهذا جاء الفعل فيها متعدّيا إلى الأشخاص، وفاعله فيها (شنآن وشقاق) .
خامسا: جاء الفعل والمصدر في الخمس الباقية:
(4 - 8) مزيدا من باب"الإفعال"بمعنى عمل الجرم، ولهذا جاء الفعل فيها متعدّيا إلى الأعمال وفاعله الأشخاص، وقالوا في معناها: ما اقترفنا المعاصي، ما فعلنا من المعاصي والسّيّئات، ونحوهما فهو بمعنى الجرم، وقد جمع بعضهم بين الكسب والجرم، فقال: أي ما اكتسبنا وفعلنا من المعاصي والجرائم.
سادسا: قالوا في (4) : قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ إنّ اللّه أنصف في خطاب المشركين؛ حيث أمر النّبيّ عليه السّلام بأن يسمّي فعله (جرما) كما يزعمون، مع أنّه مثاب مشكور، وفعلهم (عملا) مع