فهرس الكتاب

الصفحة 4946 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 399

أنّه سيّ ء محظور.

ونقول: ما قبل هذه الآية وما بعدها جاء بسياق الإنصاف أيضا؛ حيث ساوى بين أنفسهم وبين مخاطبيهم في المصير والمآل، وفي المستقبل والحال فقبلها: إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ سبأ: 24، وبعدها:

قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ سبأ: 26.

وقد صرّح بها بعضهم بأنّ الآية التّالية- في الحقيقة- توضيح لنتيجة الآيتين السّابقتين، فبعد أن نبّه إلى أنّ أحد الفريقين على الحقّ والآخر على الباطل، وإلى أنّ كلّا منهما مسؤول عن أعماله، انتقل إلى مجازاة كلّ فريق طبق مسؤوليّته. وقال بعضهم: فيها إنصاف وحسن أدب مع الخصم.

سابعا: جاء الفعل مع مصدره في (8) : إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِي ءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ وفيها بحوث:

1 -في هذه الآية إنصاف أيضا بين النّبيّ ومخاطبيه بأنّ كلّا منّا مسؤول عن عمله لو كان سيّئا وإجراما. فلو افتريت أنا القرآن فهو إجرام منّي، كما أنّ إنكاركم إيّاه لو كان حقّا إجرام منكم على السّواء. فالآية مثل ما قبلها، ونظير: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ الكافرون: 6، ووَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى فاطر: 18، ولَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ البقرة: 286، وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِي ءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ يونس: 41.

2 -وقد قرئت (اجرامى) جمع جرم، أي فعليّ آثامي وذنوبي، فهي مثل: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ محمّد: 26، وَأَدْبارَ السُّجُودِ ق: 40، فقد قرئتا (اسرارهم) و (ادبار) : جمع سرّ ودبر. وعليه فتزداد سمة الإنصاف فيها؛ حيث أضاف إلى نفسه أجراما، وإلى مخاطبيه أيضا أجراما، فقال: (تجرمون) فأعمالهم تعدّ أجراما لا جرما واحدا.

3 -قالوا: في الآية حذف مضافين، أي عقاب إجرامي وعقاب ما تجرمون. وعندنا أنّه مجاز شائع، يقال:"ذنبي على رقبتي) فيفهم منه المراد من دون لحاظ المضاف. فهذا كما قال الآلوسيّ:"يجوّز بالسّبب عن المسبّب"."

4 -قال الزّمخشريّ: وفي الآية محذوف آخر، وهو أنّ المعنى إن افتريته فعليّ عقاب جرمي، وإن كنت صادقا وكذّبتموني فعليكم عقاب ذلك التّكذيب. إلّا أنّه حذف هذه البقيّة لدلالة الكلام عليه، كقوله: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ الزّمر: 9، ولم يذكر البقيّة.

5 -قيل: في الآية إلزام للخصم نقضا بما صدر عنه مثله، أي ما الفرق بين ذنبي وذنبكم فذنبكم التّكذيب- كما اعتقد- وذنبي الافتراء- كما تزعمون- فليس لكم حجّة عليّ. إنّما الحجّة قائمة لكم عليّ، لو اختصّ الذّنب بي دونكم. وفيه نظر، فهي لا تدلّ على أنّه كان شاكّا في فعله، بل إلزام للخصم عند اليأس من قبوله الحقّ. قال رشيد رضا:"و هذا الأسلوب من الجدل بالّتي هي أحسن يستخفّه السّمع ويقبله الطّبع".

6 -وقعت هذه الآية بين آيات قصّة (نوح) فقبلها نقلا عن نوح وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ ... وبعدها: وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت