المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 420
والاحتمال الثّاني: أن يكونا كلامين، والتّقدير: أنّ نوحا عليه السّلام أمرهم بالرّكوب، ثمّ أخبرهم بأنّ مَجْراها وَمُرْساها ليس إلّا (بسم اللّه) وأمره وقدرته.
فالمعنى الأوّل يشير إلى أنّ الإنسان لا ينبغي أن يشرع في أمر من الأمور إلّا ويكون في وقت الشّروع فيه ذاكرا لاسم اللّه تعالى بالأذكار المقدّسة، حتّى يكون ببركة ذلك الذّكر سببا لتمام ذلك المقصود.
والمعنى الثّاني يدلّ على أنّه لمّا ركب السّفينة أخبر القوم بأنّ السّفينة ليست سببا لحصول النّجاة، بل الواجب ربط الهمّة وتعليق القلب بفضل اللّه تعالى، وأخبرهم أنّه تعالى هو المجري والمرسي للسّفينة، فإيّاكم أن تعوّلوا على السّفينة، بل يجب أن يكون تعويلكم على فضل اللّه، فإنّه هو المجري والمرسي لها.
فعلى التّقدير الأوّل: كان نوح عليه السّلام وقت ركوب السّفينة في مقام الذّكر، وعلى التّقدير الثّاني: كان في مقام الفكر والبراءة عن الحول والقوّة، وقطع النّظر عن الأسباب، واستغراق القلب في نور جلال مسبّب الأسباب.
واعلم أنّ الإنسان إذا تفكّر في طلب معرفة اللّه تعالى بالدّليل والحجّة، فكأنّه جلس في سفينة التّفكّر والتّدبّر، وأمواج الظّلمات والضّلالات قد علت تلك الجبال وارتفعت إلى مصاعد القلال، فإذا ابتدأت سفينة الفكرة والرّويّة بالحركة وجب أن يكون هناك اعتماده على اللّه تعالى وتضرّعه إلى اللّه تعالى، وأن يكون بلسان القلب ونظر العقل يقول: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها حتّى تصل سفينة فكره إلى ساحل النّجاة، وتتخلّص عن أمواج الضّلالات. (17: 229)
نحوه ملخّصا النّيسابوريّ. (12: 27)
القرطبيّ: قراءة أهل الحرمين وأهل البصرة بضمّ الميم فيهما إلّا من شذّ، على معنى بسم اللّه إجراؤها وإرساؤها، (فمجراها ومرساها) في موضع رفع بالابتداء، ويجوز أن تكون في موضع نصب، ويكون التّقدير: بسم اللّه وقت إجرائها ثمّ حذف وقت، وأقيم (مجريها) مقامه. [ثمّ ذكر القراءات] (9: 36)
أبو حيّان: مَجْراها وَمُرْساها منصوبان إمّا على أنّهما ظرفا زمان أو مكان، لأنّهما يجيئان لذلك، أو ظرفا زمان على جهة الحذف كما حذف من: جئتك مقدم الحاجّ، أي وقت قدوم الحاجّ، فيكون مَجْراها وَمُرْساها مصدران في الأصل حذف منهما المضاف، وانتصبا بما في"بسم اللّه) من معنى الفعل."
ويجوز أن يكون (بسم اللّه) حالا من ضمير (فيها) ومَجْراها وَمُرْساها مصدران مرفوعان على الفاعليّة، أي اركبوا فيها ملتبسا باسم اللّه إجراؤها وإرساؤها، أي ببركة اسم اللّه، أو يكون مَجْراها وَمُرْساها مرفوعين على الابتداء و (بسم اللّه) الخبر، والجملة حال من الضّمير في (فيها) . وعلى هذه التّوجيهات الثّلاثة فالكلام جملة واحدة والحال مقدّرة، ولا يجوز مع رفع مَجْراها وَمُرْساها على الفاعليّة أو الابتداء أن يكون حالا من ضمير (اركبوا) لأنّه لا عائد عليه فيما وقع حالا.
ويجوز أن يكون بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها جملة ثانية من مبتدإ وخبر لا تعلّق لها بالجملة الأولى من حيث الإعراب، أمرهم أوّلا بالرّكوب، ثمّ أخبر أنّ مَجْراها