فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 473
وهل يجازى إلّا الكفور؟
قيل: إنّ المجازاة في هذا الموضع: المكافأة، واللّه وعد أهل الإيمان به للتّفضّل عليهم، وأن يجعل لهم بالواحدة من أعمالهم الصّالحة عشر أمثالها، إلى ما لا نهاية له من التّضعيف، ووعد المسي ء من عباده أن يجعل بالواحدة من سيّئاته مثلها مكافأة له على جرمه.
والمكافأة لأهل الكبائر والكفر، والجزاء لأهل الإيمان مع التّفضّل، فلذلك قال في هذا الموضع: وهل يجازى إلّا الكفور؟ كأنّه قال: لا يجازى: لا يكافأ على عمله إلّا الكفور، إذا كانت المكافأة مثل المكافأ عليه، واللّه لا يغفر له من ذنوبه شيئا، ولا يمحّص شي ء منها في الدّنيا. وأمّا المؤمن فإنّه يتفضّل عليه، على ما وصفت.
الزّجّاج: (ذلك) في موضع نصب، المعنى جزيناهم ذلك بكفرهم.
وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ، وتقرأ (و هل يجازى) ويجوز (و هل يجازى الّا الكفور) وهذا ممّا يسأل عنه، يقال: اللّه يجازي الكفور وغير الكفور.
والمعنى في هذه الآية أنّ المؤمن تكفّر عنه السّيّئات، والكافر يحبط عمله فيجازى بكلّ سوء يعمله، قال اللّه: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ محمّد: 1، وقال: ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ محمّد:
28، فأعلم أنّه يحبط عمل الكافر، وأعلمنا أنّ الحسنات يذهبن السّيّئات، وأنّ المؤمن تكفّر عنه سيّئاته حسناته (4: 249) أبو مسلم الأصفهانيّ: إنّ المجازاة من التّجازي وهو التّقاضي، أي لا يقتضي ولا يرتجع ما أعطى إلّا الكافر، وإنّهم لمّا كفروا النّعمة اقتضوا ما أعطوا، أي ارتجع منهم. (الطّبرسيّ 4: 386)
النّحّاس: [ذكر حديث النّبيّ- صلّى اللّه عليه وسلّم- عن عائشة"من حوسب عذّب ... ثمّ قال:"]
المعنى أنّ المؤمن يكفّر عنه سيّئاته، والكافر يحبط عمله ويجازى، كما قال جلّ وعزّ: أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ محمّد: 1. (5: 410)
الطّوسيّ: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا في نعم اللّه، وَهَلْ نُجازِي بهذا الجزاء إِلَّا الْكَفُورَ من كفر نعم اللّه.
فمن قرأ بالنّون، فلقوله: (جزيناهم) ، ولا يمكن الاستدلال بذلك على أنّ مرتكب الكبيرة كافر من حيث هو معذّب، لأنّ اللّه تعالى بيّن أنّه لا يجازي بهذا النّوع من العذاب الّذي هو الاستئصال، إلّا من هو كافر، وإن جاز أن يعذّب الفاسق بغير ذلك من العذاب. [ثمّ ذكر قول الفرّاء وأضاف:]
وقال غيره: لا فرق بينهما. (8: 388)
الزّمخشريّ: [ذكر القراءات وقال:]
والمعنى أنّ مثل هذا الجزاء، لا يستحقّه إلّا الكافر، وهو العقاب العاجل.
وقيل: المؤمن تكفّر سيّئاته بحسناته، والكافر يحبط عمله، فيجازى بجميع ما عمله من السّوء.
ووجه آخر، وهو أنّ الجزاء عامّ لكلّ مكافأة، يستعمل تارة في معنى المعاقبة وأخرى في معنى الإثابة،