فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 564
وطيب العيش في آيات متوالية، وهي جزاء الأبرار الّذين عملوا أعمالا صالحة، كالوفاء بالنّذر وإطعام الطّعام مسكينا ويتيما وأسيرا، وغيرها، إلّا أنّ الجزاء في الآية موقوف على الصّبر، أي أنّ جملة أعمالهم الصّالحة اللّاتي شكّلت منهم جماعة الأبرار ترجع إلى صبرهم على فعل الطّاعات وترك المعاصي، فالصّبر رأس الطّاعات ودعامتها. لاحظ: الأبرار والصّابرين في"ب ر ر"و"ص ب ر".
وأمّا (3) فجاء في حوار من اللّه مع الكفّار إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ* فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ* إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ فركّز من بين أعمالهم صبرهم عليها، ولا سيّما على سوء اتّخاذهم سخريّة من قبل أعدائهم، فيبدو أنّ صبرهم على هذا أشدّ من صبرهم على أعمالهم الصّالحة، فأوقف جزاءهم على صبرهم عليه.
2 -جاء الفعل في (1) بصيغة الغائب وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا وفي (3) بصيغة المتكلّم وحده تعطّفا بهم إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا مؤكّدا ب (إنّى) مزيدا في إكرامهم، ومقابلة لما نالهم من الهوان بسبب السّخريّة والضّحك من قبل أعدائهم، فإنّها تدعو إلى جزاء الإهانة بالإكرام، والعداء بالولاء.
3 -ذكر (اليوم) في (3) وهو مراد في (1) أيضا، تسجيلا على تحقّق إكرامهم وجزاءهم في ذلك اليوم، وهذا بدوره يزيد في الإكرام أيضا.
4 -ذيّل الجزاء في (3) بقوله: أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ بصيغة الحصر الّتي تنبئ عن بلوغ الجزاء أوجه، ونهايته.
5 -جاء جزاء الصّابرين بأحسن أعمالهم مؤكّدا بالقسم ونون التّأكيد في (35) وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ وهذا ينبئ أيضا عن بلوغ الجزاء نهايته، وسنتداولها بالبحث، وكلّ هذه راجعة إلى جزاء الصّابرين الفائزين بصيغة الماضي. أمّا جزاء الباغين الخاسرين بهذه الصّيغة فكما يأتي:
1 -جزى اللّه في (91) و (94) كلّا من قوم سبأ واليهود بسلب نعمائهم في حياتهم الدّنيا، تسجيلا على توغّلهم في الرّكون إلى الدّنيا وما فيها: سبأ بسلب جنّتيهم اللّتين كانوا يرزقون من ثمارهما، واليهود بتحريم ما كانوا يشتهون من اللّحوم عليهم.
فلمّا كانت رذيلة هؤلاء في بطونهم فعاقبهم اللّه وجزاهم بما يرجع إلى بطونهم جزاء وفاقا.
2 -جاء في جزاء سبأ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ وسياق الآيات قبلها ظاهر في إرادة الكفران منها دون الكفر- كما قيل- فإنّهم لم يشكروا ما رزقهم اللّه؛ حيث قال: كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ* فَأَعْرَضُوا ...
أمّا اليهود فجزاهم ببغيهم إذ كانوا قوما باغين، ومن جملة بغيهم: تكذيبهم ما أخبر به النّبيّ ممّا حرّم اللّه عليهم؛ حيث قال: جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ فَإِنْ كَذَّبُوكَ ... فقد جمعت الفريقين رذيلة الكفر والكفران ورفض الشّكر والإيمان.