فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 588
قيل: المراد بالجسد الملقى على كرسيّه، هو سليمان نفسه لمرض امتحنه اللّه به، وتقدير الكلام: ألقيناه على كرسيّه جسدا، أي كجسد لا روح فيه من شدّة المرض.
وفيه: أنّ حذف الضّمير من (ألقيناه) وإخراج الكلام على صورته الّتي في الآية الظّاهرة، في أنّ الملقى هو الجسد، مخلّ بالمعنى المقصود، لا يجوز حمل أفصح الكلام فيه.
ولسائر المفسّرين أقوال مختلفة في المراد من الآية، تبعا للرّوايات المختلفة الواردة فيها. والّذي يمكن أن يؤخذ من بينها إجمالا أنّه كان جسد صبيّ له، أماته اللّه وألقى جسده على كرسيّه، ولقوله: ثُمَّ أَنابَ* قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي إشعار أو دلالة على أنّه كان له عليه السّلام فيه رجاء أو أمنيّة في اللّه، فأماته اللّه سبحانه وألقاه على كرسيّه، فنبّهه أن يفوّض الأمر إلى اللّه ويسلم له.
عبد الكريم الخطيب: هذه الآية هي إشارة إلى هذه الفتنة الّتي فتن بها سليمان، وهو اشتغاله بهذا المتاع من الخيل، وحشد هذا الجهد منه ومن حاشيته، ورعيّته في سبيله.
ففي قوله تعالى: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا إشارة إلى أنّ اللّه سبحانه وتعالى قد فتنه بهذا المتاع الكثير الّذي ساقه إليه، وأنّ هذا المتاع كان عبئا ثقيلا على (كرسيّه) أي سلطانه، الّذي كان ينبغي أن يكون مكان النّبوّة فيه أبرز وأظهر من مقام الملك. وهذا هو السّرّ في كلمة (جسدا) الّذي يمثّل المتاع الدّنيويّ، الّذي يضمّه هذا الملك. إنّ كرسيّ سليمان قد ثقل فيه ميزان الملك، وكاد يجور على المكان الّذي ينبغي أن يكون للنّبوّة فيه الحظّ الأوفر، والنّصيب الأوفى!
ويجوز أن يكون قوله تعالى: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا بمعنى وألقيناه على كرسيّه جسدا، فيكون (جسدا) حال، بمعنى كائنا جسدا، على حين أنّ روحه قد زايله في تلك الحال، فرأى- من عالم روحه- وجوده الجسديّ قائما على الكرسيّ ملتصقا به. وهذا ما يعرف في الروحيّة الحديثة باسم"الطّرح الرّوحيّ"حيث تستطيع بعض الأرواح أن تنفصل عن أجسادها في حال اليقظة، فيرى الإنسان بروحه عوالم كثيرة بعيدة، ويشهد من وراء حجب المادّة الكثيفة ما يشهده عن قرب وعيان، وممّا يشهده في حاله تلك وجوده الجسديّ.
وقد يكون سليمان عليه السّلام رأى في حال من أحوال الطّرح الرّوحيّ ذاته الجسديّة، على كرسيّ ملكه، على حين رأى ذاته الرّوحيّة بعيدة عن هذا الكرسيّ، فأنكر مقامه على هذا الكرسيّ، وهو على تلك الحال الّتي انفصلت فيها، أو كانت تنفصل عنه النّبوّة. (12: 1086)
مكارم الشّيرازيّ: وقد أورد المفسّرون والمحدّثون تفسيرات متعدّدة في هذا المجال، أفضلها وأوضحها ما يلي:
إنّ سليمان عليه السّلام كان متزوّجا من عدّة نساء، وكان يأمل أن يرزق بأولاد صالحين شجعان، ليساعدوه في إدارة شؤون البلاد وجهاد الأعداء، فحدّث نفسه يوما قائلا: لأطوفنّ على نسائي كي أرزق بعدد من الأولاد، لعلّهم يساعدونني في تحقيق أهدافي، ولكنّه غفل عن