فهرس الكتاب

الصفحة 5151 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 603

أخرى، كما وصفنا في حال المتجسّس، ثمّ يبعث ذلك على انتقام كليهما من أخيه.

وإذ قد اعتبر النّهي عن التّجسّس من فروع النّهي عن الظّنّ، فهو مقيّد بالتّجسّس الّذي هو إثم أو يفضي إلى الإثم، وإذا علم أنّه يترتّب عليه مفسدة عامّة صار التّجسّس كبيرة. ومنه التّجسّس على المسلمين لمن يبتغي الضّرّبهم.

فالمنهيّ عنه هو التّجسّس الّذي لا ينجرّ منه نفع للمسلمين أو دفع ضرّ عنهم، فلا يشمل التّجسّس على الأعداء، ولا تجسّس الشّرطة على الجناة واللّصوص.

فضل اللّه: وَلا تَجَسَّسُوا بالبحث عن أسرار الآخرين الخفيّة، ممّا لا يريدون إطّلاع النّاس عليه من قضاياهم الذّاتيّة أو الاجتماعيّة أو الاقتصاديّة أو العسكريّة وغير ذلك، لأنّ اللّه أعطى الحياة الخاصّة حرمة شرعيّة لم يجز للغير اقتحامها، وجعل للإنسان الحقّ في منع غيره من الاعتداء أو التّلصّص عليها بأيّة وسيلة من وسائل المعرفة الظّاهرة أو الخفيّة.

وقد يكون من الضّرورة التّنبيه على أنّ هذا المبدأ الاجتماعيّ لا يشمل الحالات الّتي تمسّ فيها المصلحة العليا للإسلام والمسلمين، والّتي قد تستدعي الاطّلاع على بعض الأوضاع الخفيّة للأشخاص والمواقع والأحداث المتعلّقة بالآخرين، ممّا يخاف ضرره، أو يراد نفعه، أو يركّز قاعدته، فيجوز لوليّ أمر المسلمين اللّجوء إلى هذا الأسلوب في نطاق الضّرورة الأمنيّة والسّياسيّة والاقتصاديّة، انطلاقا من قاعدة التّزاحم بين المهمّ والأهمّ، لتغليب المصلحة الّتي تقف في مستوى الأهمّيّة القصوى على المفسدة النّاشئة من التّجسّس، فإنّ حرمة المسلمين تتقدّم على حرمة الشّخص أو الأشخاص، في ذلك كلّه. (21: 153)

مكارم الشّيرازيّ: والتّجسّس والتّحسّس كلاهما بمعنى البحث والتّقصّي، إلّا أنّ الكلمة الأولى غالبا ما تستعمل في البحث عن الأمور غير المطلوبة، والكلمة الثّانية على العكس فهي تستعمل في البحث عن الأمور المطلوبة أو المحبوبة، ومنه ما ورد على لسان يعقوب في وصيّته ولده يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ يوسف: 87.

وفي الحقيقة أنّ سوء الظّنّ باعث على التّجسّس، والتّجسّس باعث على كشف الأسرار وما خفي من أمور النّاس، والإسلام لا يبيح أبدا كشف أسرار النّاس.

وبتعبير آخر: أنّ الإسلام يريد أن يكون النّاس في حياتهم الخاصّة آمنين من كلّ الجهات، وبديهيّ أنّه لو سمع الإسلام لكلّ أحد أن يتجسّس على الآخرين، فإنّ ماء وجوه النّاس وحيثيّاتهم تمضي مع الرّيح، وتنشأ"حياة جهنّميّة"يعذّب فيها جميع أفراد المجتمع.

وبالطّبع فإنّ هذا الأمر لا ينافي وجود أجهزة"مخابرات"في الحكومة الإسلاميّة لمواجهة المؤامرات.

ولكن هذا لا يعني أنّ لهذه الأجهزة حقّ التّجسّس في حياة النّاس الخاصّة، كما سنبيّن ذلك بإذن اللّه فيما بعد.

وأخيرا فإنّ الآية تضيف في آخر هذه الأوامر والتّعليمات ما هو في الحقيقة نتيجة عن الآمرين السّابقين ومعلولهما، فتقول: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت