فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 649
بمعنى"الخلق"فيتعدّى بمفعول واحد، ومركّب بمعنى التّصيير، فيتعدّى بمفعولين.
أمّا البسيط فجاء في آيات مثل: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ الأنعام: 1، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها الأنعام: 97، وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها الأعراف: 189، وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا النّحل: 72، في آيات وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهارًا الرّعد: 3، وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ الرّعد: 3، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ النّحل: 78، في آيات، وجَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ يونس: 67، وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا الزّخرف: 10، ونحوها، فالجعل في أمثالها ممّا جاء بمفعول واحد بمعنى الإيجاد والخلق.
ولك أن تعيد جميعها إلى الجعل المركّب بأن تعتبر الغايات المذكورة فيها بمنزلة المفعول الثّاني للجعل، فمعنى جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا يونس: 67، جعل اللّيل سكنا والنّهار مبصرا. والشّاهد عليه أنّ كلّا من اللّيل والنّهار فيها جاء مفعولا أوّل لفعل (جعل) فليكن ما بعدهما كذلك مفعولا ثانيا له.
وإنّما بدلت غايات إعلاما بمنافعها لطفا ومنّة منه تعالى على العباد.
وكذا ما جاء بسيطا مع (في) ظرفا له مثل: اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ المائدة: 20، جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ يوسف: 70، وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهارًا الرّعد: 3، جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجًا الفرقان: 61، ووَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ الحجّ: 78، ونظائرها، فمعناها: جعل ما ذكر مستقرّا في مواضعها.
ومن هذا القبيل: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا مريم: 24، وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا الفرقان: 53، وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزًا النّمل:
61، ونحوها ممّا بدّل المفعول الثّاني فيه ظرفا ومستقرّا للجعل.
وكذا ما جاء مع (من) مثل: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً النّحل: 72، وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتًا النّحل: 80، فقد جعل المفعول الأوّل فيها مدخول (من) فمعنى جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا النّحل: 72، جعل النّساء- وهنّ بشر من جنسكم- أزواجا لكم، وما جاء ملاصقا ل (مع) أو (على) مثل: الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ ق: 26، وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً الجاثية: 23، فقد جعل المفعول الثّاني مدخولا لهما.
ولك أن تؤولها إلى جعل الحقيقة، كما جوّز أبو هلال في وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ النّحل: 78، أنّه جعلها على هذه الصّفة أي جعل السّمع سمعا والبصر بصرا. أو كما قال الطّباطبائيّ في ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ ... المائدة: 103:
"الجعل المنفيّ متعلّق بأوصافها دون ذواتها، فإنّ ذواتها مخلوقة للّه سبحانه عن غير شكّ، وكذا أوصافها من جهة أنّها أوصاف فحسب، وإنّما الّذي يقبل الإسناد إليه تعالى ونفيه هو أوصافها، من جهة كونها مصادر لأحكام كانوا"