المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 759
وما أحسن وأجمل قول ابن عربيّ:"أي الجلال في صورة الجمال، والجمال في صورة الجلال اللّذان لا يحجب أحدهما عن الآخر عند البقاء بعد الفناء ..."وهذا الوصف خاصّ باللّه لا يوصف به غيره، وهو أجلّ صفاته، كما نصّ عليه الرّاغب.
وأمّا (الإكرام) فلاحظه أكثرهم أنّه فعل اللّه، أي هو ذو إحسان إلى النّاس بالإنعام عليهم، وآخرون أنّه فعل النّاس بشأن اللّه، أي هو أهل أن يكرم ويجلّل، ولا يجحد ولا يكفر به. والظّاهر أنّه فعل اللّه يستتبع فعل النّاس، كما أنّ الجلال صفة لذاته يستتبع إجلال النّاس له تعالى.
ثانيا: في الآيتين قراءتان (ذو الجلال) و (ذى الجلال) فالقراءه المشهورة في (1) (ذو الجلال) وفي (2) (ذى الجلال) ووجّهوا الرّفع في (1) بأنّ (ذو الجلال) صفة (وجه ربّك) ، والخفض بأنّه صفة ربّك، وكذلك وجّهوا الرّفع في (2) بأنّه صفة (اسم ربّك) ، والخفض فيه بأنّه صفة (ربّك) ويرجّح الرّفع في (1) بأنّه المناسب لما قبلها: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ فقوله:
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ إشارة إلى أنّ فناء من عليها لا يخلّ بشأنه عزّ وجلّ، فإنّه ذو جلال وسلطان على كلّ شي ء غيره، فلا يناله فناء بل هو باق يفيض على الثّقلين من آثار كرمه وألوان نعمه، وبأنّ وجه اللّه هو اللّه ذو الجلال والإكرام.
ويرجّح الخفض في (2) بأنّ اسم الرّبّ غير الرّبّ، والرّبّ هو ذو الجلال والإكرام دون اسمه، وأيضا:
تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ يحكي أنّ اسمه الّذي يتبارك به، ولا يتبارك باللّه الّذي هو ذو الجلال والإكرام. فيرجّح من القراءتين في الآيتين ما يناسب ما قبلهما. قاله الفخر الرّازيّ وأضاف: ولو قال:"و يبقى الرّبّ، بدل (وجه ربّك) لتوهّم أنّ الرّبّ إذا بقي ربّا فله في ذلك الزّمان مربوب، فإذا قال: (وجه) أنسى المربوب، فحصل القطع ببقاء الحقّ، فوصف (الوجه) يفيد هذه الفائدة، واللّه أعلم"لاحظ"و ج ه، ور ب ب".
ثالثا: قال الفخر الرّازيّ في (1) : ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ"وصفان مرتّبان على أمرين سابقين:- أي في كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ* وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ - فالجلال مرتّب على فناء الغير، والإكرام على بقائه تعالى فيبقى الفرد، وقد عزّ أن يحدّ أمره بفناء من عداه وما عداه، ويبقى وهو مكرم قادر عالم فيوجد بعد فنائهم من يريد".
وقال الكاشانيّ، تعليلا لبقاء وجهه وفناء غيره:
"لأنّك إذا استقريت جهات الموجودات وتصفّحت وجوهها، وجدتها بأسرها فانية في حدّ ذاتها إلّا وجه اللّه، أي الوجه الّذي يلي جهته"وفي كلامهما لطائف فتأمّل.
رابعا: اختلفوا في سورة الرّحمان أنّها مكّيّة أو مدنيّة، ولكن سياقها كما اعترف به الطّباطبائيّ- وكذلك محتواها الشّامل للمبدأ والمعاد- أقرب إلى المكّيّات، وعلى كلّ ف (الجلال) الوحيد من مادّتها في القرآن، وفي هذه السّورة بالذّات، الحاوية لألوان نعمائه في الدّنيا والآخرة، يبدو أنّه لغة إحدى المدينتين، وأنّه مبدأ نعمائه وإكرامه، ولهذا جمع بين جلاله وإكرامه تقديما جلاله على إكرامه في الآيتين، رمزا إلى أنّ جلاله الّذي هو من أعظم صفاته مبدأ كلّ أفعاله ونعمائه، وأنّ كلّها إحسان وإكرام، وتفضّل وعطاء.