فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 66
كما جاء في الآية أي: اصرفني وباعدني عن عبادة الأوثان. قال الفخر الرّازيّ:"و أصله: جعل الشّي ء عن غيره على جانب وناحية"فيبدو أنّه أرجع الفعل إلى معنى"جانب"فيكون مفهوم الصّرف والبعد ونحوهما لازم المعنى لا عينه، وسنبحثه.
-أشكل أمر هذا الدّعاء على المعتزلة والشّيعة؛ حيث إنّ إبراهيم عليه السّلام سأل اللّه أن يصرفه عن عبادة الأوثان، فدلّت على أنّ أفعال العباد هي فعل اللّه، كما قالت الأشاعرة، وقد احتجّ بها بعضهم، قال الآلوسيّ:
"و استدلّ بعض أصحابنا بالآية على أنّ التّبعيد من الكفر والتّقريب من الإيمان ليس إلّا من اللّه تعالى ...".
لكن مخالفيهم حملوها تارة على أنّه لطف من اللّه يقرّبهم إلى التّوحيد، وهو فعلهم وليس فعل اللّه، وأخرى على أنّ معناه: ثبّتني وأدمني على اجتناب عبادتها. لكن الوجه الأخير لا يرفع الإشكال. وأجاب عنها الطّباطبائيّ بأنّ العبد يملك الاجتناب من عبادة الأوثان بتمليك اللّه إيّاه، وأنّ معناه التّوفيق دون إيجاد الفعل. وللبحث مجال واسع، فلاحظ النّصوص هنا وفي نظائرها من الآيات، وهي كثيرة.
4 -قال البيضاويّ:"فيه دليل على أنّ عصمة الأنبياء بتوفيق اللّه وحفظه إيّاهم"وكأنّه أراد أنّ العصمة ليست في ذواتهم بكونهم طورا وراء غيرهم من البشر، وهذا معنى ما روي عن بعض الأئمّة من أهل البيت عليهم السّلام:"المعصوم من عصمه اللّه".
5 -وأورد الفخر الرّازيّ بأنّ دعاءه تخلّف من جهات، وأجاب عنها بوجه أو وجوه، فلاحظ.
ثانيا: جاء منها فعل الاجتناب"9"مرّات في (2 - 9) وفيها بحوث:
1 -الاجتناب"افتعال"من"جنب"، والمناسب من معاني باب الافتعال هنا المبالغة في المعنى نحو اكتسب، أي بالغ في الكسب، أو المطاوعة إيماء إلى نهاية طاعة اللّه في تجنيبه العبد عن عبادة الأوثان. وعلى الوجهين فهو متعدّ إلى مفعولين، فمعنى اجتنب عملا: بعد عنه وتركه بجدّ، أو تبعا لمن جنّبه، وجاء دائما في ترك المحرّمات العظام كالشّرك في (2 - 4) ، وقول الزّور في (4) ، وظنّ السّوء في (5) ، والخمر والميسر والأنصاب والأزلام في (6) ، والرّجس والإثم وعمل الشّيطان في (4 - 6) ، والكبائر في (7 - 9) .
وهناك وجه آخر للمبالغة فيه، وهو أنّه- كما سبق- مأخوذ من"جانب": اجتنب عملا: تركه جانبا، وصار أجنبيّا عنه، وهو عند الطّباطبائيّ مأخوذ من"الجنب"بني منه الفعل على الاستعارة، فإنّ الإنسان يستقبل الشّي ء بوجهه ويعرض عنه بجنبه، ولكونه استعارة، فهو- كما قال الرّاغب- أبلغ من التّرك، لأنّ ترك شي ء لا يستلزم البعد عنه.
وعند القرطبيّ والصّابونيّ: معناه البعد عن الشّي ء بالكلّيّة، مثل وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى الإسراء: 32، لأنّه إذا حرّم قرب الشّي ء فقد حرّم كلّا ورأسا، فالاجتناب عن الخمر مثلا يقتضي تركه مطلقا، فلا ينتفع به بوجه من الوجوه: لا بشرب، ولا بيع، ولا تخليل، ولا مداواة، ولا غير ذلك. وبالجملة كلّما كانت الحرمة فيه شديدة