فهرس الكتاب

الصفحة 5576 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 126

بقرينة الإثم، والآية تفريع على الآية السّابقة عليها"."

ونقول: لا ريب في أنّ الآية فرع على ما قبلها فرع استثناء، وما قبلها فرع أيضا على سابقتها فرع نتيجة؛ حيث قال- بعد التّوصية بالوصيّة للوالدين والأقربين بالمعروف-: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ* فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ... لكن لا نسلّم أنّ المراد بالجنف: الميل إلى الإثم بقرينة الإثم، بل هو قرينة على خلافه، وهو الخطأ، كما سبق.

رابعا: عن ابن عطيّة: قرأ من ذكرهم (غير متجنّف) دون ألف، ثمّ قال:"و هي أبلغ في المعنى من (متجانف) لأنّ شدّ العين يقتضي مبالغة وتوغّلا في المعنى، وثبوتا لحكمه، و"تفاعل"إنّما هي محاكاة الشّي ء والتّقريب منه، إلى آخره"وهذا مردود بوجوه:

1 -أنّها قراءة شاذّة لم يذكرها الطّبريّ، فلا وجه لرجحانها على القراءة المشهورة بالاجتهاد.

2 -مجرّد شدّ عين الفعل لا يقتضي المبالغة دائما، فإنّ باب التّفعيل له معان أخرى غير التّكثير والمبالغة، كالتّعدية والتّدرّج والسّلب والنّسبة وغيرها، مع أنّ المبالغة هنا في نفي أدنى الجنف وأخفّه، دون أشدّه، فإنّ نفي الأشدّ يسمح ارتكاب الأخفّ، ونفي الأخفّ نفي للأشدّ بالأولى مثل فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ الإسراء:

23، وسياق الآية يقتضي الخفّة أيضا، حيث قال: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ أي من اضطرّ إلى حالة حرجة غير متمايل أدنى ميل إلى إثم أيّ إثم، ولو كان قليلا تافها. وهذا يناسب المتجانف بمعنى المحاكاة والتّقريب- كما قال- دون التّشديد والمبالغة.

3 -باب"التّفاعل"له معان، أشهرها: المشاركة، ولا تناسب السّياق؛ ومنها المطاوعة، والتّدرّج، وإظهار ما ليس في الباطن مثل تمارض، وكلّها- ولا سيّما التّدرّج- مناسب لسياق الآية، أي غير متمايل تمايلا شيئا فشيئا، أو غير متطوّع لغيره، أو غير ظاهر بمظهر المائل، وإن لم يكن مائلا واقعا.

وكلّ هذه المعاني يناسب نفي الأخفّ الّذي يتماشى مع السّياق، ولهذا جاء كلّ من (مخمصة) و (متجانف) و (اثم) نكرة، و (من اضطرّ) مبهمة؛ وبذلك تبيّن أيضا بطلان قول المصطفويّ: "إنّ صيغة"التّفاعل"هنا للمداومة، أي أن لا يكون ذلك سببا للمداومة في العمل" فإنّه لا يناسب السّياق، مع أنّه لم يأت"التّفاعل"للمداومة.

خامسا: ما جاء في بعض التّفاسير في معنى"الجنف"أن يوصي الرّجل لبني ابنه، أو المرأة لزوج ابنتها، أو يوصي لغير القرابة ونحوها، بيان لمصاديق"الجنف"دون معناه، لكنّها مناسبة للأمر بالوصيّة للوالدين والأقربين قبلها، ولما كان شائعا بين النّاس يوم ذاك.

سادسا: جملة فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ ... تفريع على ما قبل هذه الآية: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ...

دون صدرها: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ ... كما هو ظاهر، ويبدو أنّ صدرها جملة معترضة ممهّدة لذيلها. [لاحظ"ك م ل" (اكملت) ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت