فهرس الكتاب

الصفحة 5703 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 252

درجة، وأنّه وعدهم جميعا بالحسنى، وثالثا: بأنّه فضّل المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما، ثمّ فضّلهم عليهم درجات.

فيبدو أنّ اللّه استمال هؤلاء القاعدين وداراهم في موضعهم من الإيمان حتّى لا ييأسوا بتاتا، فرقا بينهم وبين المنافقين، فالتّدرّج في بيان فضل المجاهدين فيه حكمة، وهي التّعاطف مع القاعدين غير أولي الضّرر، وفرقا بينهم وبين القاعدين الّذين جاء وصفهم في (24) :

فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ ....

2 -لقد كرّر فيها كلّ من المجاهدين والقاعدين ثلاث مرّات: مرّة رفعا وقدّم فيها القاعدون تعاطفا معهم، ومرّتين نصبا مع تقديم المجاهدين تفضيلا لهم على القاعدين: مرّة بدرجة، ومرّة بدرجات. وقد ذكروا في النّصوص وجوها لاختلاف"درجة ودرجات"، لاحظ:

"د ر ج".

3 -وقد جاء في شأن نزول هذه الآية ما تقدّم في النّصوص، كما جاء في التّفاسير معنى غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ لاحظ:"ض ر ر، وف ض ل، وق ع د:"

قاعدين"."

تاسعا: جمع اللّه بين الجهاد والصّبر في 3 آيات (5 و10 و35) إعلاما بالملازمة بينهما، لاشتمالهما على تحمّل المشقّة والجهد روحا وجسدا وظاهرا وباطنا، وعلى الإخلاص والصّدق عملا وخلقا. ففي (5) : وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ وفي (35) : حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وفي (10) : ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا وفيها بحوث:

1 -قدّم الجهاد فيها على الصّبر، لأنّ الجهاد والقتال بدء أوّلا بلا مشقّة أو بقليل منها، ثمّ يواجه دوامه المشقّات، ولا يدوم إلّا بالصّبر عليها، فالصّبر تبع لدوام الجهاد ولمواجهة المشقّات.

2 -جاء (5 و35) كلاهما جمعا بلفظ (الصّابرين) فيهما، وبلفظ (المجاهدين) في (35) وهما مشعران بدوامهما حتّى كأنّهما- أي الجهاد والصّبر- صارا طبيعة لهم وبلفظ الَّذِينَ جاهَدُوا في (5) أي من يجاهد في قبال من لا يجاهد. ولكن السّياق فيها دالّ على الدّوام والثّبات أيضا.

3 -جاء فيهما الجهاد والصّبر عقيب الابتلاء صريحا أو إيماء، ففي (35) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وفي (5) : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ.

4 -الابتلاء عند النّاس لتحصيل العلم بالشّي ء ولكنّ اللّه عالم بالأشياء قبل تحقّقها. فالعلم هنا ليس عن جهل، بل هو تعبير عن تحقّق علمه الأزليّ بالفعل، ولهذا قالوا: إنّ العلم في أمثالها من اللّه هو تحقّق للمعلوم خارجا، لا حصول العلم له بعد الجهل به، لاحظ"ع ل م، وب ل ي: ابتلاء".

5 -الابتلاء وكذا الدّوام مستفاد من (10) أيضا سياقا؛ حيث أعلن فيها بأنّ اللّه بوصفه ربّك- وهذا اللّفظ دائما دالّ على نهاية لطفه تعالى بالنّبيّ عليه السّلام- يواجه بكلّ خير الّذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثمّ جاهدوا وصبروا، إلّا أنّ سوقها حكاية للماضي، فأتى بكلّ من الهجرة والجهاد والصّبر بلفظ الماضي، مشعرا بأنّها جميعا صدرت عن صدق إيمانهم وثبات عقيدتهم، وأنّ لهم قدم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت