المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 251
3 -هذه الآية في سياق آيات تدين المنافقين بما كانوا يلومون الفقراء من المؤمنين الّذين كانوا يطوّعون بالصّدقات ممّا لا يجدون إلّا جهدهم، فيسخرون بهم بذلك، فقابلهم اللّه ب سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وهذه نظير: وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ* اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ... البقرة: 14، 15.
فالجهد فيها في المعيشة خلافا لمن خصّه بالعمل، ولو عكس لكان موافقا للآية.
4 -هذه الآية الّتي قرئت بالضّمّ سياقها مدح، وآيات الجهد سياقها ضمّ، فهل هذا يعدّ فارقا بين الفتح والضّمّ؟
سابعا: وجاء (جهاد) (4) مرّات باختلاف، وفيها بحوث:
1 -ثلاث منها مفعول ومنصوب: أوّلها (14) :
خَرَجْتُمْ جِهادًا فِي سَبِيلِي وهذا مفعول له ل (خرجتم) ، أو مؤكّد بفعل محذوف، أي خرجتم وجاهدتم جهادا في سبيلي، أو حال منه، أي خرجتم مجاهدين في سبيلي.
وذكر الطّبرسيّ (5: 269) ، الوجه الأوّل والأخير فقط.
والأوّل أقرب سياقا، لا سيّما بملاحظة وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي وعطفه على (جهادا في سبيلى) ، وتأتي في إعرابه الوجوه الثّلاثة، أي لابتغاء مرضاتي، أو ابتغيتم ابتغاء مرضاتي، أو مبتغين مرضاتي.
واثنتان منها مفعول مؤكّد لفعل من لفظه، ففي (8) :
وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهادًا كَبِيرًا وفي (27) : وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ ... وكأنّهما يفسّران بعضهما البعض، فإنّ (جهادا كبيرا) هو (حقّ جهاده) و (حقّ جهاده) هو (جهاد كبير) . ويؤيّده ما جاء في تفسيرهما، فقد فسّروا (جهادا كبيرا) ب"تامّا شديدا".
أو"إنّ النّبيّ مبعوث إلى كافّة البشر فجهاده من أكبر الجهاد في قبال جهاد سائر الأنبياء، لأنّهم مبعوثون إلى أممهم خاصّة- على كلام في بعضهم- فجهاده يتحمّل المشاقّ العظام، كما قال:"ما أوذي نبيّ مثل ما أوذيت"."
أو جاهدهم بالشّدّة والعنف لا بالملاءمة والمداراة"وغيرهما ممّا جاء في النّصوص."
وفسّروا (حقّ جهاده) بأن يطاع اللّه فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، أو يكون صادقة خالصة، أو هو استفراغ الطّاقة فيه، ونحوها.
وجاء (جهاد) في واحدة منها: (28) : أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ مجرورا عطفا على (اللّه ورسوله) ومعناها أنّ حبّ اللّه والرّسول صادق إذا اقترن بالجهاد في سبيل اللّه. وتنكيره إمّا للتّعظيم، أو الإبهام ليذهب ذهن السّامع إلى كلّ مذهب ممكن، أو للتّقليل إعلاما بأنّ حبّهما لا يخلو عن شي ء من الجهاد، فمن ادّعى حبّهما من دون جهاد فهو غير صادق في ادّعائه.
ثامنا: جاء الوصف منها جمعا (4) مرّات: ثلاث منها في (26) وواحدة في (35) وفيها بحوث:
1 -قابل اللّه في (26) بين القاعدين عن الجهاد غير أولي الضّرر- وهم الّذين لم يتخلّفوا عن الجهاد نفاقا وعداء- وبين المجاهدين بأموالهم وأنفسهم في سبيل اللّه، فأعلن أوّلا: أنّ هؤلاء وهؤلاء لا يستوون عند اللّه، وثانيا: بأنّ اللّه فضّل المجاهدين على هؤلاء القاعدين