المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 282
وقال بعض الأجلّة: ليس في النّظم الجليل ما يقتضي أنّ الدّعوة الأولى كانت سرّا فقط، فكأنّه أخذ ذلك من المقابلة، ومن تقديم قوله: (ليلا) وذكرهم بعنوان"قومه"، وقوله: (فرارا) فإنّ القرب ملائم له.
وجوّز كون (ثمّ) على معناها الحقيقيّ، وهو التّراخي الزّمانيّ، لكنّه باعتبار مبدإ كلّ من الإسرار والجهار ومنتهاه، وباعتبار منتهى الجمع بينهما، لئلّا ينافي عموم الأوقات السّابق، ويحسن اعتبار ذلك وإن اعتبر عمومها عرفيّا، كما في: لا يضع العصا عن عاتقه.
و (جهارا) منصوب ب (دعوتهم) على المصدريّة، لأنّه أحد نوعي الدّعاء، كما نصب"القرفصاء"في:
قعدت القرفصاء عليها، لأنّها أحد أنواع القعود، أو أريد ب (دعوتهم) جاهرتهم، أو صفة لمصدر محذوف، أي دعوتهم دعاء جهارا، أي مجاهرا بفتح الهاء به، أو مصدر في موقع الحال، أي مجاهرا بزنة اسم الفاعل.
ابن عاشور: (جهار) : اسم مصدر جهر، وهو هنا وصف لمصدر (دعوتهم) أي دعوة جهارا. وارتقى فذكر أنّه جمع بين الجهر والإسرار، لأنّ الجمع بين الحالتين أقوى في الدّعوة وأغلظ من إفراد إحداهما. [إلى أن قال:]
وانتصب (جهارا) بالنّيابة عن المفعول المطلق المفيد للتّوكيد، أي إسرارا خفيّا. (29: 183)
الطّباطبائيّ: (ثمّ) للتّراخي بحسب رتبة الكلام، والجهار: النّداء بأعلى الصّوت. (20: 29)
لاحظ"د ع و- دعوتهم".
الأصول اللّغويّة
1 -الأصل في هذه المادّة: الجهر، وهو ظهور ماء البئر بعد تنقيته من الطّين، يقال: جهرت البئر واجتهرتها، أي نقّيتها، وأخرجت ما فيها من الحمأة، وجهرت الرّكيّة، إذا كان ماؤها قد غطّي بالطّين، فنقّي ذلك حتّى يظهر الماء ويصفو. وحفر البئر حتّى جهر: بلغ الماء، وجهر البئر: أخرج ما فيها من الحمأة والماء فهي مجهورة، والمجهور: الماء الّذي كان سدما، فاستسقي منه حتّى طاب.
وجهرت السّقاء: مخضته، أي أخرجت الزّبد من لبنه، فهو لبن جهير، تشبيها بإخراج الطّين من الماء، ولبن جهير: لم يمذق بماء.
والعين الجهراء: كالجاحظة وهو ظهورها خارج الحدقة، يقال: رجل أجهر وامرأة جهراء، والأجهر: من الجهرة، أي الحولة، يقال: أجهر الرّجل، أي جاء بابن أحول، والمتجاهر: الّذي يريك أنّه أجهر. والأجهر أيضا: الّذي لا يبصر في الشّمس، يقال: جهر يجهر جهرا، وجهرته الشّمس: أسدرت بصره، وكذا كبش أجهر ونعجة جهراء، فتسلسل اللّفظ من معنى إلى ما يشابهه ويلزمه، كما هو المعتاد في اللّغة.
والجهراء: الرّابية السّهلة العريضة، وما استوى من ظهر الأرض ليس بها شجر ولا آكام ولا رمال، إنّما هي فضاء، وكذلك العراء، يقال: وطئنا أعرية وجهراوات، وجهرنا الأرض: سلكناها من غير معرفة، وفرس أجهر: غشّت غرّته وجهه، تشبيها بالجهراء، أي الرّابية.