فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 322
من القوّة الغضبيّة والشّهويّة، وهو وصف للجنس باعتبار الأغلب. وكلّ ما ورد في تأويلها في مقام التّخصيص يرجع إلى هذا المعنى، كما يظهر بالتّدبّر.
البروسويّ: واعلم أنّ الظّلوميّة والجهوليّة صفتا ذمّ عند أهل الظّاهر، لأنّهما في حقّ الخائنين في الأمانة، فمن وضع الغدر والخيانة موضع الوفاء والأداء فقد ظلم وجهل.
وقال أهل الحقيقة: هما صفتا مدح، أي في حقّ مؤدّي الأمانة، فإنّ الإنسان ظلم نفسه بحمل الأمانة، لأنّه وضع شيئا في غير موضعه، فأفنى نفسه وأزال حجبها الوجوديّة، وهي المعروفة بالأنانيّة، وجهل ربّه. فإنّه في أوّل الأمر يحبّ هذه البهيميّة الّتي تأكل وتشرب وتنكح، وتحمل الذّكوريّة والأنوثيّة اللّتين اشترك فيهما جميع الحيوانات، وما يدري أنّ هذه الصّورة الحيوانيّة قشر وله لبّ، هو محبوب الحقّ الّذي قال:
يُحِبُّهُمْ، وهو محبّ الحقّ الّذي قال: يُحِبُّونَهُ. فإذا عبر عن قشر جسمانيّة الظّلمانيّة ووصل إلى لبّ روحانيّة النّورانيّة، ثمّ علم أنّ هذا اللّبّ النّورانيّ أيضا قشر. فإنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال:"إنّ للّه سبعين ألف حجاب من نور وظلمة". فعبر عن القشر الرّوحانيّ أيضا، ووصل إلى لبّه الّذي هو محبوب الحقّ ومحبّه، فقد عرف نفسه، وإذا عرف نفسه فقد عرف ربّه بتوحيد لا شرك فيه، وجهل ما سوى اللّه تعالى بالكلّيّة. وأيضا إنّ الجهول هو العالم، لأنّ نهاية العلم هو الاعتراف بالجهل في باب المعرفة، والعجز عن درك الإدراك إدراك ... فلو لم يكن للإنسان قوّة هذه الظّلوميّة والجهوليّة لما حمل الأمانة، وبهذا الاعتبار صحّ تعليل الحمل بهما.
وقال بعض أهل التّفسير- وتبعهم صاحب"القاموس": إنّ الوصف بالظّلومية والجهوليّة إنّما يليق بمن خان في الأمانة وقصّر عن حقّها، لا بمن يتحمّلها ويقبلها. فمعنى (حملها الانسان) أي خانها. والإنسان:
الكافر والمنافق، من قولك:"فلان حامل للأمانة ومحتمل لها"بمعنى أنّه لا يؤدّيها إلى صاحبها حتّى تزول عن ذمّته ويخرج من عهدتها بجعل الأمانة كأنّها راكبة للمؤتمن عليها، كما يقال: ركبته الدّيون، فما يحمل إذا كناية عن الخيانة والتّضييع ... (7: 254)
شبّر: (ظلوما) حيث لم يؤدّها، (جهولا) لعظمة شأنها. (5: 166)
الآلوسيّ: [نقل أقوال المفسّرين إلى أن قال:]
وأنا لا أميل إلى القول بأنّ المراد بالإنسان: آدم عليه السّلام، وإن كان أوّل أفراد الجنس ومبدأ سلسلتها، لمكان إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا فإنّه يبعد غاية البعد وصف صفيّ اللّه عزّ وجلّ بنصّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ آل عمران:
33، بمزيد الظّلم والجهل، وكون المعنى كان ظلوما جهولا بزعم الملائكة عليهم السّلام قول بارد، وحمله على معنى: كان ظلوما لنفسه؛ حيث حملها على ضعفه ما أبت الأجسام القويّة حمله، جهولا بقدر ما دخل فيه أو بعاقبة ما تحمّل لا يزيل البعد، ولا أستحسن كون المراد: كان من شأنه لو خلّي ونفسه ذلك، كما قيل:
الظّلم من شيم النّفوس فإن تجد ... ذا عفّة فلعلّة لا يظلم