المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 347
وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا الفتح: 12، وقد جاءت بشأن الأعراب الّذين ظنّوا أنّ الرّسول والمؤمنين لن ينقلبوا إلى أهليهم من عمرة الحديبيّة.
هذا هو المعنى، وأمّا الإعراب فعند الزّمخشريّ وغيره ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ بدل من (غير الحقّ) أي يظنّون باللّه غير ظنّ الحقّ، ظنّ الجاهليّة. أو هو مفعول مطلق نوعيّ ل (يظنّون) ، أي يظنّون ظنّ الجاهليّة، وغَيْرَ الْحَقِ تأكيد ل (يظنّون) ، كقولك:"هذا القول غير ما تقول، وهذا القول لا قولك".
وظنّ الجاهليّة مثل"حاتم الجود"، و"رجل صدق"أو أريد: ظنّ أهل الجاهليّة، والمعنى واحد. وهذان الوجهان في الإضافة ساريان في سائر الآيات، فلا نعيدهما فيها.
2 -"حكم الجاهليّة"جاءت بشأن اليهود الّذين كانوا يسألون النّبيّ عليه السّلام أن يحكم في الزّنى أو التّفاضل بين القتلى في واقعة بحكم الجاهليّة دون حكم الإسلام أو التّوراة، فندّد بهم تشديدا بالاستفهام الإنكاريّ أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ؟ وقدّم"حكم الجاهلية"على (يبغون) إعلاما بأن ثقل الكلام عليه، نظير: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ - لو لم يكن حصرا- وأَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى الإسراء: 110.
وأمّا الإعراب؛ فمن قرأ (حكم) بفتح الميم فهو مفعول مقدّم- وهو حينئذ من باب الاشتغال- ومن قرأ بالضّمّ فهو مبتدأ، و (يبغون) خبره بحذف العائد.
3 -تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ جاءت بشأن أزواج النّبيّ عليه السّلام- وهي جارية في غيرهنّ من النّساء- نهين أن يتبرّجن أي يظهرن زينتهنّ للرّجال، ويخرجن من بيوتهنّ ويمشين على تغنّج وتكسير ونحوها، لا حظ"ب ر ج: تبرّج".
وقد وصفت الجاهليّة فيها ب (الاولى) واختلفت كلماتهم في معناها، والأقرب أنّها وصف توضيحيّ لا أنّ هناك جاهليّة أخرى قبلها أو بعدها، وإنّما وصفت بها حرصا على تشخيص قبحها وتجسيم فحشها، وما جاء في الرّوايات من أنّ هناك جاهليّة أخرى في آخر الزّمان لا يستلزم كونه مفهوما من الآية بل إخبار عن المستقبل السّيّئ للنّاس بمناسبة الآية، وما أكثر هذه التّنبّآت في آخر الزّمان!
4 -حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ نزلت بشأن كفّار مكّة في منع النّبيّ والمؤمنين عن دخولها في عمرة الحديبيّة؛ حيث أخذتهم حميّة الجاهليّة، وكانت ثابتة في قلوبهم، والحميّة: الأنفة الّتي تحمي الإنسان، أي حميت قلوبهم بالغضب حميّة الجاهليّة، وكانت عادة آبائهم أن لا ينقادوا لأحد، ولا سيّما النّبيّ والمؤمنين الّذين قتلوا آباءهم وإخوانهم في غزوة بدر وغيرها، فأنفوا أن يدخل هؤلاء منازلهم والمسجد الحرام فيقضوا مناسكهم وهم ناظرون، وحَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ بدل من الحميّة في إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ.
[لا حظ"ح م ي: حميّة"]
رابعا: ما جاء فيها (تجهلون) ، أو (يجهلون) ، أو (جاهلون) فكلّها مكّيّة جاءت بشأن الأمم السّابقة، مع واحدة مدنيّة (10) جاءت بشأن بني إسرائيل، والجهل فيها بمعنى السّفه، وجاء الجاهل مرّة واحدة (6) مدنيّة