المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 346
روحانيّة النّورانيّة، ثمّ علم أنّ هذا اللّبّ النّورانيّ أيضا قشر ... فعبر عن القشر الرّوحانيّ أيضا، ووصل إلى لبّه الّذي هو محبوب الحقّ ومحبّه، فقد عرف نفسه، وإذا عرف نفسه عرف ربّه.
وقال بعضهم: الوصف بالظّلوميّة والجهوليّة إنّما يليق بمن خان في الأمانة، وقصر عن حقّها، لا بمن يتحمّلها ويقبلها، فمعنى حَمَلَهَا الْإِنْسانُ أي خانها.
وللطّباطبائيّ كلام طويل في هذه الآية يظهر منه أنّها مدح من جهة وذمّ من جهة، وكذا لغيره. فلا حظ النّصوص، وقد تقدّم معنى الأمانة في"أ م ن"ذيل الآية خلال النّصوص والاستعمال القرآنيّ.
5 -والّذي نختاره في معنى الآية- واللّه أعلم- أنّ اللّه اختار من بين المخلوقات نوع الإنسان لأمانته، وهي دينه وتكاليفه، لكونه- بما فيه من العقل والاختيار- أهلا لها فكلّفه ولم يكلّف السّماوات والأرض والجبال ونحوها، لعدم أهليّتها للتّكليف. فالآية إلى حَمَلَهَا الْإِنْسانُ مدح للإنسان أيّ مدح. ثمّ بدأ ذمّه بحسب غلبة الظّلم والجهل على كثير من أفراده، فقال: إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا.
وليس هذا تعقيبا على وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ، وإنّما هو تعقيب على محذوف، وتقديره: وحملها الإنسان فلم يحسن حملها، ولم يؤدّها على وجهها، لغلبة رذيلتي الظّلم والجهل على أكثر أفراده، كما قال: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ الأعراف: 187. وبذلك ظهر أنّ الوصفين يحكيان طبيعة الإنسان- ككثير غيرها- ولا يحتاجان إلى متعلّق- مثل"الجاهلين"في غيرها- كما نرى إصرار المفسّرين على تقدير متعلّق لهما.
ثالثا: جاءت (الجاهليّة) 4 مرّات بلام التّعريف للعهد الذّهنيّ، فإنّ الإسلام اعتبر فترة ما قبله جاهليّة، لغلبة السّفاهة والجهالة على النّاس، ولا سيّما العرب يوم ذاك، والسّفاهة لا تفارق الجهل- ضدّ العلم- غالبا فقد غلب على أهلها السّفاهة والجهالة معا، وبدأ الإسلام بإيقاظ العقول ونشر العلم بينهم، كما جاء ذكره في الآيات من أوّل سورتي العلق والقلم- براعة للاستهلال- وهما الأوليين نزولا من بين السّور، حسب ما جاء في روايات ترتيب النّزول. فدور الإسلام دور العقل والعلم، وقبله دور السّفاهة والجهالة.
وقد أضيفت في الآيات إلى (الجاهليّة) أربع خصال كأنّها من مميّزاتها: ظنّ الجاهليّة، حكم الجاهليّة، تبرّج الجاهليّة، حميّة الجاهليّة، وإليك التّفصيل:
1 -"ظنّ الجاهليّة"جاء فيما خطر بقلوب جماعة من المؤمنين بعد انكسارهم في"غزوة أحد"من الشّكّ في صدق النّبيّ ووعد اللّه، وهذا كان دأب أهل الجاهليّة المشركين، فسياق الآيات قبلها وبعدها هو إدانتهم على ضعف إيمانهم، وتسرّع الرّيب إلى قلوبهم فندّد بهم أوّلا بأنّهم يظنّون باللّه، وهو بنفسه توهّم باطل وسوء ظنّ باللّه، ثمّ أكّده بأنّه ظنّ غير الحقّ، أي ظنّ باطل وكاذب، ثمّ شدّده بأنّه ظنّ الجاهليّة.
وما بعدها: يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْ ءٍ آل عمران: 154 بيان وتفسير لهذا الظّنّ إبانة لقبحه.
ونظيرها: بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ