فهرس الكتاب

الصفحة 6006 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 555

رؤية ولقاء ومشاهدة، ولا يتصوّر أن يكون في الدّنيا، وأمّا الشّوق بالتّفسير الثّاني فيشبه أن لا يكون له نهاية؛ إذ نهايته أن ينكشف للعبد في الآخرة جلال اللّه وصفاته، وحكمته في أفعاله، وهي غير متناهية، والاطّلاع على غير المتناهي على سبيل التّفصيل محال.

وقد عرفت حقيقة الشّوق إلى اللّه تعالى، واعلم أنّ ذلك الشّوق لذيذ، لأنّ العبد إذا كان في التّرقّي حصل بسبب تعاقب الوجدان، والحرمان والوصول والصّدّ آلاما مخلوطة بلذّات، واللّذّات إذا كانت محفوفة بالحرمان والفقدان، كانت أقوى، فيشبه أن يكون هذا النّوع من اللّذّات ممّا لا يحصل إلّا للبشر، فإنّ الملائكة كمالاتهم حاضرة بالفعل، والبهائم لا تستعدّ لها، أمّا البشر فهم المتردّدون بين جهتي السّفالة والعلوّ.

المسألة الثّالثة: في بيان أنّ الّذين آمنوا هم أشدّ حبّا للّه: أمّا المتكلّمون فقالوا: إنّ حبّهم للّه يكون من وجهين:

أحدهما: أنّه ما يصدر منهم من التّعظيم والمدح والثّناء والعبادة خالصة عن الشّرك وعمّا لا ينبغي من الاعتقاد، ومحبّة غيرهم ليست كذلك.

والثّاني: أنّ حبّهم للّه اقترن به الرّجاء والثّواب، والرّغبة في عظيم منزلته، والخوف من العقاب، والأخذ في طريق التّخلّص منه، ومن يعبد اللّه ويعظّمه على هذا الحدّ، تكون محبّته للّه أشدّ.

وأمّا العارفون فقالوا: المؤمنون هم الّذين عرفوا اللّه بقدر الطّاقة البشريّة، وقد دلّلنا على أنّ الحبّ من لوازم العرفان. فكلّما كان عرفانهم أتمّ وجب أن تكون محبّتهم أشدّ.

فإن قيل: كيف يمكن أن يقال: محبّة المؤمنين للّه تعالى أشدّ، مع أنّا نرى الهنود يأتون بطاعات شاقّة لا يأتي بشي ء منها أحد من المسلمين، ولا يأتون بها إلّا للّه تعالى، ثمّ يقتلون أنفسهم حبّا للّه.

والجواب من وجوه:

أحدها: أنّ الّذين آمنوا لا يتضرّعون إلّا إلى اللّه، بخلاف المشركين فإنّهم يعدلون إلى اللّه عند الحاجة، وعند زوال الحاجة يرجعون إلى الأنداد، قال تعالى:

فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ...

العنكبوت: 65، والمؤمن لا يعرض عن اللّه في الضّرّاء والسّرّاء والشّدّة والرّخاء، والكافر قد يعرض عن ربّه، فكان حبّ المؤمن أقوى.

وثانيها: أنّ من أحبّ غيره رضي بقضائه، فلا يتصرّف في ملكه، فأولئك الجهّال قتلوا أنفسهم بغير إذنه. أمّا المؤمنون فقد يقتلون أنفسهم بإذنه؛ وذلك في الجهاد.

وثالثها: أنّ الإنسان إذا ابتلي بالعذاب الشّديد لا يمكنه الاشتغال بمعرفة الرّبّ، فالّذي فعلوه باطل.

ورابعها: قال ابن عبّاس: إنّ المشركين كانوا يعبدون صنما، فإذا رأوا شيئا أحسن منه تركوا ذلك وأقبلوا على عبادة الأحسن.

وخامسها: أنّ المؤمنين يوحّدون ربّهم، والكفّار يعبدون مع الصّنم أصناما؛ فتنقص محبّة الواحد، أمّا الإله الواحد فتنضمّ محبّة الجميع إليه. (4: 230)

نحوه باختصار النّيسابوريّ (2: 59) ، والخازن (1: 116) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت