فهرس الكتاب

الصفحة 6014 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 563

ويرتاح إلى لقائه لمشاكلة بينهما، ولا مشاكلة بين اللّه تعالى وبين النّاس، فيظهر فيهم هذا النّوع من الحبّ.

ومن أسباب الحبّ اعتقاد المحبّ أنّ في المحبوب قدرة فوق قدرته، ونفوذا يعلو نفوذه، مع ثقته بأنّه يهتمّ لأمره ويعطف عليه؛ بحيث يمكنه اللّجأ إليه عند الحاجة، فيستعين به على ما لا سبيل له إليه بدونه. فهذا الاعتقاد يحدث انجذابا من المعتقد يصحبه شعور خفيّ بأنّ له قوّة عالية مستمدّة ممّن يحبّ، ويعظم هذا النّوع من الحبّ بمقدار ما يعتقد في المحبوب من الصّفات والمزايا الّتي بها كان مصدر المنافع وركن اللّاجئ، وكلّ ما للمخلوق من ذلك فهو داخل في دائرة الأسباب والمسبّبات والأعمال الكسبيّة.

وأمّا قوّة الخالق وقدرته، وما يعتقده المؤمنون فيه من الرّحمة الشّاملة، والصّفات الكاملة، والمشيئة النّافذة، والتّصرّف المطلق في تسخير الأسباب والمسبّبات، والسّلطان المطاع في الأرض والسّماوات، فذلك ممّا يجعل حبّه تعالى أعلى من كلّ ما يحبّ، للرّجاء فيه وانتظار الاستفادة منه ولغير ذلك. وهذا الحبّ لا ينبغي أن يكون لغير اللّه تعالى؛ إذ لا يلجأ إلى غيره في كلّ شي ء كما يلجأ إليه.

ولكن متّخذي الأنداد قد أشركوا أندادهم معه في هذا الحبّ، فحبّهم إيّاهم من نوع حبّهم إيّاه جلّ ثناؤه:

لا يخصّونه بنوع من الحبّ؛ إذ لا يرجون منه شيئا إلّا وقد جعلوا لأندادهم مثله، أو ضربا من التّوسّط الغيبيّ فيه، فهم كفّار مشركون بهذا الحبّ الّذي لا يصدر من مؤمن موحّد، ولذلك قال تعالى بعد بيان شركهم هذا:

وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ من كلّ ما سواه، لأنّ حبّهم له خاصّ به سبحانه لا يشركون فيه غيره، فحبّهم ثابت كامل، لأنّ متعلّقه هو الكمال المطلق الّذي يستمدّ منه كلّ كمال. وأمّا متّخذو الأنداد فإنّ حبّهم متوزّع متزعزع، لاثبات له ولا استقرار.

للمؤمن محبوب واحد يعتقد أنّ منه كلّ شي ء، وبيده ملكوت كلّ شي ء، وله القدرة والسّلطان على جميع الأكوان، فما ناله من خير كسبيّ فهو بتوفيقه وهدايته، وما جاءه بغير حساب فهو بتسخيره وعنايته، وما توجّه إليه من أمر فتعذّر عليه، فهو يكله إليه، ويعول فيه عليه. وللمشرك أنداد متعدّدون، وأرباب متفرّقون، فإذا حزبه أمر، أو نزل به ضرّ، لجأ إلى بشر أو صخر، أو توسّل بحيوان أو قبر، أو استشفع بزيد وعمرو، لا يدري أيّهم يسمع ويسمع، ويشفع فيشفّع، فهو دائما مبلبل البال، لا يستقرّ من القلق على حال.

هذا هو حبّ المشركين للقسم الأوّل من الأنداد؛ ومن الحبّ نوع سببه الإحسان السّابق، كما أنّ سبب الأوّل الرّجاء بالإحسان اللّاحق، ومن الإحسان ما تتمتّع به ساعة أو يوما أو أيّاما متاعا قليلا أو كثيرا، ومنه ما تكون به سعيدا في حياتك كلّها كالتّربية الصّحيحة والتّعليم النّافع، والإرشاد إلى ما خفي من المنافع، وكلّ هذا ممّا يكون من النّاس بكسبهم. وليس في طاقة البشر أن يحسن بعضهم إلى بعض بإحسان، إذا قبله المحسن إليه وعمل به يكون سعيدا في الدّنيا والآخرة؛ بحيث تكون سعادته به غير متناهية.

وهذا الإحسان الّذي يعجز عنه البشر هو هداية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت