فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 562
محبوب لذاته، فالعبد يحبّ اللّه تعالى لذاته، لأنّه الكامل المطلق الّذي لا يداني كماله كمال، وأمّا محبّة خدمته وثوابه فمرتبة نازلة، ومحبّة اللّه تعالى للعباد صفة له عزّ شأنه لا تتكيّف ولا يحوم طائر الفكر حول حماها، وقيل: إرادة إكرامه واستعماله في الطّاعة وصونه عن المعاصي.
والمراد بالمحبّة هنا: التّعظيم والطّاعة، أي أنّهم يسوّون بين اللّه تعالى وبين الأنداد المتّخذة فيعظّمونهم، ويطيعونهم، كما يعظّمون اللّه تعالى ويميلون إلى طاعته، وضمير الجمع المنصوب راجع إلى"الأنداد". فإن أريد بها الرّؤساء فواضح، وإلّا فالتّعبير عنها بضمير العقلاء باعتبار ذلك الزّعم الباطل، أنّهم أنداد اللّه تعالى، والمصدر المضاف من المبنيّ للفاعل وفاعله ضميرهم بقرينة سبق الذّكر، وإنّ المشركين يعترفون به تعالى، ويلجأون إليه في الشّدائد وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ لقمان: 25، فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ العنكبوت:
وقيل وهو الخلاف الظّاهر وعدول عمّا يقتضيه:
كون جملة يُحِبُّونَهُمْ بيانا لوجه الاتّخاذ، إنّه مصدر المبنيّ للمفعول، واستغني عن ذكر من يحبّ لأنّه غير ملبّس، والمعنى على تشبيه محبوبيّة الأنداد من جهة المشركين بمحبوبيّته تعالى من جهة المؤمنين، ولا ينافي ذلك قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ لأنّ التّشبيه إنّما وقع بين المحبوبيّتين، وذلك يقتضي أن يكون محبوبيّة الأصنام مماثلا لمحبوبيّته تعالى، والتّرجيح بين المحبّتين لكن باعتبار رسوخ إحداهما دون الأخرى.
فإنّ المراد بشدّة محبّة المؤمنين: شدّتها في المحلّ وهو رسوخها فيهم وعدم زوالها عنهم بحال، لا كمحبّة المشركين لآلهتهم حيث يعدلون عنها إلى اللّه تعالى عند الشّدائد، ويتبرّؤون منها عند معاينة الأهوال، ويعبدون الصّنم زمانا ثمّ يرفضونه إلى غيره وربّما أكلوه، كما يحكى:"أنّ"باهلة"كانت لهم أصنام من حيس فجاعوا في قحط أصابهم فأكلوها."
وللّه أبوهم فإنّه لم ينتفع مشرك بآلهته كانتفاع هؤلاء بها، فإنّهم ذاقوا حلاوة الكفر، وليس المراد من شدّة المحبّة: شدّتها، وقوّتها في نفسها، ليرد أنّا نرى الكفّار يأتون بطاعات شاقّة لا يأتي بشي ء منها أكثر المؤمنين، فكيف يقال: إنّ محبّتهم أشدّ من محبّتهم، ومن هذا ظهر وجه اختيار أَشَدُّ حُبًّا على"أحبّ"، إذ ليس المراد الزّيادة في أصل الفعل بل الرّسوخ والثّبات وهو ملاك الأمر، ولهذا نزل فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ هود: 112، وكان أحبّ الأعمال إليه صلّى اللّه عليه وسلّم أدومها.
وقال العلّامة: عدل عن"أحبّ"إلى"أشدّ"، لأنّه شاع في الأشدّ محبوبيّة، فعدل عنه احترازا عن اللّبس.
وقيل: إنّ"أحبّ"أكثر من"حبّ"، فلو صيغ منه"أفعل"لتوهّم أنّه من المزيد. (2: 34)
رشيد رضا: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ أي يجعلون من بعض خلق اللّه نظراء له فيما هو خاصّ به يحبّونهم كحبّه؛ ذلك أنّ الحبّ ضروب شتّى تختلف باختلاف أسبابها وعللها، وكلّها ترجع إلى الأنس بالمحبوب أو الرّكون، والالتجاء إليه عند الحاجة. فقد يحبّ الإنسان شخصا لأنّه يأنس به