فهرس الكتاب

الصفحة 6012 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 561

بعض، كما قال تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ البقرة:

166، ويكون حاصل أمرهم الفرقة والعداوة والتّبرّي، كقوله: يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ الزّخرف: 38، وقوله: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ الزّخرف: 67.

إذا تحقّقت ما ذكرناه وفهمت ما مهّدناه فاعلم أنّ المراد من قوله: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ يس: 74، هو اتّخاذ ما سوى اللّه للمحبّة النّفسانيّة الّتي ترجع إلى عبادة الصّور الوهميّة، إذ من أحبّ غير اللّه فهو لا يزال يعبده ويخدمه ويتوصّل إليه، ويتحرّى الطّريق إلى وصلته، والتّقرّب منه والاتّحاد به، ويتصوّر أنّ الوصول إليه يستلزم النّصرة له، ويدخل السّرور في قلبه، ويوجب له اللّذّة الوافرة والسّكون والرّاحة والطّمأنينة.

وهذا حال أكثر النّاس في المستلذّات الحسّيّة، مثل الأهل، والمال، والولد، والجاه، والرّفعة، والاشتهار، والصّيت، وتقرّب الملوك والسّلاطين، وهكذا حال من يتولّى الشّياطين ويحبّ أهل الملل الباطلة وأصحاب الأديان الفاسدة، وكذا كلّ من يعتقد شيخا وإماما تعصّبا وافتخارا لا من جهة المحبّة الإيمانيّة والمحبّة الإلهيّة وطلب الاهتداء باللّه وتحصيل المعرفة واليقين، فإنّ الجميع متّخذون من دون اللّه آلهة عابدون إيّاها، لاغترارهم بظنونهم الفاسدة: أنّ هذه الآلهة الباطلة ينصرونهم من دون اللّه.

وذلك لجهلهم بالمعارف الحقّة، وإعراضهم عن ذكر اللّه والتّدبّر في آياته وأفعاله، كما في قوله تعالى: بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ* أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ* بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ الأنبياء:

42 -44، ومن عرف اللّه وعرف صفاته وأفعاله، ونظر إلى الأشياء بنظر التّوحيد الأفعاليّ، يقول لهؤلاء المتّخذين غير اللّه مخدومين معبودين: أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ الأنبياء: 67. ويعلم أن لا هادي ولا معطي إلّا اللّه، وأن لا يستطيع أحد نصره إلّا اللّه، ولا يشفع له شفاعة إلّا بإذن اللّه، كما قال تعالى: لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ يس: 75، وكقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ البقرة: 255.

الآلوسيّ: يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ إمّا جملة مستأنفة أو صفة"الأنداد"، أو صفة ل (من) إذا جعلتها نكرة موصوفة مسوقة لبيان وجه الاتّخاذ، والمحبّة ميل القلب من"الحبّ"واحد الحبوب، استعير لحبّة القلب وسويدائه، ثمّ اشتقّ منه"الحبّ"لأنّه يؤثّر في صميم القلب ويرسخ فيه، ومحبّة العباد للّه تعالى عند جمهور المتكلّمين نوع من الإرادة، سواء قلنا: إنّها نفس الميل التّابع لاعتقاد النّفع كما هو رأي المعتزلة، أو صفة مرجّحة مغايرة له كما هو مذهب أهل السّنّة، فلا تتعلّق إلّا بالجائزات، ولا يمكن تعلّقها بذاته تعالى. فمحبّة العبد له سبحانه إرادة طاعته وتحصيل مراضيه، وهذا مبنيّ على انحصار المطلوب بالذّات في اللّذّة ورفع الألم.

والعارفون باللّه سبحانه قالوا: إنّ الكمال أيضا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت