فهرس الكتاب

الصفحة 6011 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 560

عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ الشّعراء: 77.

فكما أنّ لأرباب النّفوس بغلبات الشّهوات النّفسانيّة حظوظ منبعثة من دركات الجحيم- من النّساء والبنين والذّهب والفضّة والخيل والأنعام والحرث- على عدد أبوابها السّبعة ودركاتها الّتي كلّها محفوفة بالشّهوات كما قال صلّى اللّه عليه وآله:"حفّت النّار بالشّهوات"لكلّ دركة شهوة لها سبعة أبواب لكلّ باب جزء مقسوم، منهم يتلذّذون بها عاجلا، ويصلونها يوم الدّين آجلا، كما قال: إِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ - يعني الآن عاجلا- يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ - يعني غدا آجلا- وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ الانفطار: 14 - 16 فكذلك لأرباب القلوب بغلبات أوصافها الرّوحانيّة وجذبات عناياتها الرّبّانيّة حظوظ من درجات الجنان ونعيمها عاجلا ثمّ يدخلونها آجلا، كما قال سبحانه وتعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ الانفطار: 13، نعيم الآثار والأفعال، وأمّا نعيم الذّات والصّفات فأشار إليه بقوله: وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ آل عمران: 14، وبقوله تعالى: اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ الشّورى: 13.

مكاشفة قرآنيّة

اعلم هداك اللّه طريق معرفته وعبوديّته، إنّ كلّ من أحبّ شيئا محبّة نفسانيّة أو اعتقد معبودا حصر الإلهيّة فيه من المعتقدات المخالفة لما هو الحقّ في ذاته فهو بالحقيقة مشرك عابد للصّنم- سواء كان صنمه صورة موهومة أو شبحا محسوسا- وقد مرّ أنّه لا يعتقد معتقد من المحجوبين الّذين جعلوا الإله منحصرا في صورة معتقدهم فقط إلّا بما جعل في نفسه وتصوّره بوهمه، فإنّ الإله من حيث ذاته منزّه عن التّعيّن والتّقيّد، وبحسب أسمائه وصفاته له ظهورات في صور مختلفة، فكلّ من أحبّ غير اللّه كحبّ اللّه، فلم يكن أهلا لمحبّة اللّه مخلصا، بل طردته العزّة والغيرة الإلهيّة إلى محبّة الأنداد واتّخاذ ما هو دون اللّه، سواء كانت الأهل والأولاد والأحجار والأجساد.

وتحقيق ذلك أنّ كلّ محبّة لشي ء فهو عبوديّة له.

[ثمّ ذكر نوعي المحبّة كما سبق له وأضاف:]

فمن أحبّ اللّه ينظر إلى ما سواه من حيث هو ما سواه بنظر العداوة، كما كان حال الخليل عليه السّلام فقال: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ الشّعراء: 77.

ومن كان في الأزل اهلا لمحبّة اللّه وعبوديّته فما وكّل إلى المحبّة النّفسانيّة الشّيطانيّة، بل جذبته العناية الأزليّة ونظمته في سلك الكناية من قول: (يحبّهم) فيتجلّى لهم بصفة المحبّة، فانعكست تلك المحبّة لمرائي قلوبهم، فبتلك المحبّة يحبّونه، فلا تتعلّق تلك المحبّة بغير اللّه، لأنّها فائضة من عالم الوحدة فلا تقبل الشّركة، كما قال تعالى:

وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ، ولو أحبّ غيره لأحبّه من حيث كونه وليّا له، نبيّا مبعوثا من حضرته، أو كتابا نازلا من عنده، أو أمّة قانتا للّه.

ولأنّ الأعداء- كأهل الدّنيا- أحبّوا الأنداد بمحبّة فانية نفسانيّة، والأحبّاء أحبّوا اللّه بمحبّة باقية أزليّة، فلا محالة لمّا تقطّعت بالموت عنهم هذه الأسباب ورأوا مبادي العذاب، يتبرّء أهل هذه المحبّة الفانية بعضهم عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت