فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 559
أو بالكفر، إذ لا فرق عند أرباب الحقيقة بين عبدة الأصنام وعبدة الدّنيا.
فكما أنّ الكفّار بعضهم يحبّون اللّات ويعبدونها، وبعضهم يحبّون العزّى ويعبدونها، كذلك أهل الدّنيا بعضهم يحبّون الأموال ويعبدونها، وبعضهم الأولاد ويعبدونها، وبعضهم يحبّ غير ذلك، كما قال سبحانه:
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ.
ولهذا أعلم اللّه عباده عن فتنة هذه الأشياء وحذّرهم عنها بقوله: إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وبقوله: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ التّغابن: 14، 15. يعني: فاحذروهم عن محبّتهم لأنّ محبّتهم، يمنعكم عن محبّة اللّه، وهو الحبيب وأنّهم العدوّ، لأنّهم من توابع ما هو عدوّ بالأصالة وهو الهوى والطّاغوت.
وقال تعالى في موضع آخر في حقّ الّذين ستروا أنوار روحانيّتهم ومحبّة اللّه بظلمات صفات نفسانيّتهم من هوى النّفس وجحود الحقّ وإنكاره وحبّ الشّهوات: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ - إلى قوله- ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ آل عمران: 14.
يعني: ذلك متمتّعات أهل الدّنيا، والّذين يأكلون الدّنيا ويتمتّعون بها كما تأكل الأنعام ويتمتّع بها فالنّار مثوى لهم، ولخواصّ اللّه المقبولين عنده بقبول العناية، المجذوبين لديه عن شهوات نفوسهم والطّبايع الحيوانيّة بجذبات الهداية الرّبّانيّة عنده حسن المآب، لدوام ابتهاجهم بنور الحقّ ومشاهدة صفات جماله وجلاله، ومن وكّل إلى محبّة اللّه وكان في الأزل أهلا لها فما وكّل إلى محبّة النّفس وهواها، بل جذبته العناية الأزليّة ونظمته في سلك الكناية المذكورة في بشارة يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ فإنّها لا يتعلّق بغير اللّه، لأنّها من عالم الوحدة فلا يقبل الشّركة، كما قال اللّه تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ.
وممّا وقع في الفرس تفطّنا لهذا المعنى حيث قيل:
بلى سلطان معشوقان غيور است ... ز شركت ملك معشوقيش دور است
نمى خواهد ز انجام وز آغاز ... در اين منصب كسى را با خود انباز
وذلك لأنّ أولياء الشّيطان أحبّوا الأنداد بمحبّة فانية نفسانيّة، وأحبّاء اللّه أحبّوه بمحبّة باقية ربّانيّة، كما قيل شعرا:
قد طال إلى لقائكم أشواقي ... والهجر وما أراق من آماقي
لو قطّعني الفراق إربا إربا ... في المهجة حبّكم كما هو باق
بل أحبّوه بجميع أجزائهم الفانية والباقية كما قيل:
الشّوق أكثر أن يختصّ جارحة ... كلّي إليك على الحالات مشتاق
ولهذا احترزوا عن محبّة غير اللّه، إذ لم يبق فيهم موضع محبّة الغير، كيف ومحبّتهم تمنع عن محبّة اللّه، وهو الحبيب الأوّل، وأنّهم العدوّ، فمن أحبّ اللّه يرى ما سواه بنظر العداوة، كما كان حال الخليل عليه السّلام فقال: فَإِنَّهُمْ