فهرس الكتاب

الصفحة 6009 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 558

باعتبار معنى (من) كما أنّ إفراده باعتبار لفظها كَحُبِّ اللَّهِ: مصدر تشبيهيّ أو نعت لمصدر مؤكّد للفعل السّابق، ومن قضيّة كونه مبنيّا للفاعل كونه أيضا كذلك، والظّاهر اتّحاد فاعلهما، فإنّهم كانوا يقرّون به تعالى أيضا ويتقرّبون إليه. فالمعنى حبّا كائنا كحبّهم للّه تعالى، أي يسوّون بينه تعالى وبينهم في الطّاعة والتّعظيم.

وقيل: فاعل الحبّ المذكور هم المؤمنون، فالمعنى حبّا كائنا كحبّ المؤمنين له تعالى، فلا بدّ من اعتبار المشابهة بينهما في أصل الحبّ لا في وصفه كمّا أو كيفا، لما سيأتي من التّفاوت البيّن.

وقيل: مصدر من المبنيّ للمفعول، أي كما يحبّ اللّه تعالى ويعظّم، وإنّما استغني عن ذكر من يحبّه لأنّه غير ملبّس، وأنت خبير بأنّه لا مشابهة بين محبّتهم لأندادهم وبين محبوبيّته تعالى، فالمصير حينئذ ما أسلفناه في تفسير قوله عزّ قائلا: كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ البقرة:

108، وإظهار الاسم الجليل في مقام الإضمار لتربية المهابة، وتفخيم المضاف، وإبانة كمال قبح ما ارتكبوه.

وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ جملة مبتدأة جي ء بها توطئة لما يعقبها من بيان رخاوة حبّهم وكونه حسرة عليهم، والمفضّل عليه محذوف، أي المؤمنون أشدّ حبّا له تعالى منهم لأندادهم، ومآله أنّ حبّ أولئك له تعالى أشدّ من حبّ هؤلاء لأندادهم. فيه من الدّلالة على كون"الحبّ"مصدرا من المبنيّ للفاعل ما لا يخفى، وإنّما لم يجعل المفضّل عليه حبّهم للّه تعالى، لما أنّ المقصود بيان انقطاعه ولانقلابه بغضا، وذلك إنّما يتصوّر في حبّهم لأندادهم لكونه منوطا بمبان فاسدة ومبادئ موهومة يزول بزوالها.

قيل: ولذلك كانوا يعدلون عنها عند الشّدائد إلى اللّه سبحانه، وكانوا يعبدون صنما أيّاما فإذا وجدوا آخر رفضوه إليه. وقد أكلت"باهلة"إلها عام المجاعة وكان من حيس.

وأنت خبير بأنّ مدار ذلك باعتبار اختلال حبّهم لها في الدّنيا، وليس الكلام فيه بل في انقطاعه في الآخرة عند ظهور حقيقة الحال ومعاينة الأهوال، كما سيأتي. بل اعتباره مخلّ بما يقتضيه مقام المبالغة في بيان كمال قبح ما ارتكبوه، وغاية عظم ما اقترفوه. وإيثار الإظهار في موضع الإضمار، لتفخيم الحبّ والإشعار بعلّته.

نحوه البروسويّ. (1: 270)

صدر المتألهين: في توضيح الفرق بين محبّة اللّه ومحبّة الشّيطان:

اعلم أنّ المحبّة نوعان بحسب المحبّ والمحبوب: محبّة هي من صفات الإنسان بحسب طبيعته البشريّة- وهي من هوى النّفس الأمّارة بالسّوء- ومحبّة هي من صفات الحقّ- وهي من آثار الإرادة القديمة الإلهيّة الّتي اقتضت خلق العالم بما فيه- كما قال تعالى:"كنت كنزا مخفيّا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف".

وقال بعض الحكماء:"لو لا عشق العالي لا نطمس السّافل"فمن وكّل إلى محبّته النّفسانيّة تعلّقت بما يلائم هوى النّفس من أصناف الأصنام الّتي ينحتها الشّيطان، ليسخّر بها النّفوس ويجعلها من جنوده المعادية المنازعة (المتنازعة- ن) لجنود الرّحمان، وجنوده أهل الدّنيا المحبّين لشهواتها وزهراتها سواء كانوا متّسمين بالإسلام

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت