فهرس الكتاب

الصفحة 604 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 611

مكان ولا زمان.

مكاشفة:

الأوّليّة قد يكون بمعنى كون الشّي ء فاعلا، والآخريّة: بمعنى كونه غاية مترتّبة على وجود الفعل في العين، وإن كانت الغاية بحسب وجوده في العلم متقدّمة أيضا، فاللّه سبحانه أوّل كلّ شي ء بمعنى أنّ وجوده حصل منه، وبمعنى أنّ الغرض في حصول ذلك الشّي ء منه هو علمه بالمصلحة، وكونه تماما في الجود والرّحمة، فيّاضا على الأشياء بلا عوض، وآخر كلّ شي ء بمعنى أنّه الغاية الّتي تطلبه الأشياء وتقصده طبعا وإرادة.

والعرفاء المتألّهون حكموا بسريان نور المحبّة له والشّوق إليه في جميع المخلوقات على تفاوت طبقاتهم فالكائنات السّفليّة كالمبدعات العلويّة على اقتراف شوق من هذا البحر الخضيم، واعتراف شاهد مقرّ بوحدانيّة الحقّ العليم، وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها البقرة: 148، فهو الحقّ الأوّل الّذي منه ابتدأ أمر العالم، وهو الآخر الّذي إليه ينساق وجود الأشياء سيّما بني آدم؛ إذ منه صدر الوجود ولأجله وقع الكون.

وهو الآخر أيضا بالإضافة إلى سير المسافرين إليه، فإنّهم لا يزالون مترقّين من رتبة إلى رتبة حتّى يقع الرّجوع إلى تلك الحضرة بفنائهم عن ذاتهم وهويّتهم واندكاك جبل وجودهم وإنّيّتهم، فهو أوّل في الوجود وآخر في المشاهدة، واللّه عزّ اسمه حيث أنبأنا عن غاية وجود العالم قال: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ الذّاريات: 56، أي ليعرفون، وقوله:"كنت كنزا مخفيّا فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق لأعرف". فدلّنا على أنّه الغاية القصوى لوجود العالم معروفا كما أنّه الفاعل له موجودا، ودلّنا أيضا على بعض الغايات المتوسّطة الضّروريّة بقوله:"لولاك لما خلقت الأفلاك".

فالمبدأ والغاية لوجود العالم ولقاء الآخرة هو اللّه سبحانه، ولذلك بنى العالم، ولأجله نظّم النّظام.

قال بعض الحكماء: ولو أنّ أحدا من الخلق عرف الكمال الّذي هو الخير الأقصى، ثمّ كان ينظّم الأمور الّتي صدرت منه على الوجه الّذي صدرت هي عليه وعلى مثاله حتّى كانت الأمور على غاية من النّظام والتّمام، لكان غرضه بالحقيقة هو ذات البارئ، فهو الأوّل والآخر بهذا المعنى أيضا. (6: 153)

الكاشانيّ: (هو الاوّل) قبل كلّ شي ء، و (الاخر) بعد كلّ شي ء، و (الظّاهر) على كلّ شي ء بالقهر له، و (الباطن) الخبير بباطن كلّ شي ء، و (هو الاوّل والاخر) أيضا، تبتدئ منه الأسباب وينتهي إليه المسبّبات، (و الظّاهر والباطن) الظّاهر وجوده من كلّ شي ء، والباطن حقيقة ذاته فلا يكتنهها العقول.

البروسويّ: (هو الاوّل) السّابق على سائر الموجودات بالذّات والصّفات، لما أنّه مبدؤها ومبدعها، فالمراد بالسّبق والأوّليّة هو الذّاتيّ لا الزّمانيّ، فإنّ الزّمان من جملة الحوادث أيضا. و (الاخر) الباقي بعد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت