فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 616
عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ النّور: 19.
ح- (58) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ:
1 -قابل اللّه فيها الكراهة بالحبّ، والخير بالشّرّ إعلاما بأنّ الإنسان يخطئ في حبّه وكراهته الأشياء وفي اختيار الخير والشّرّ، لأنّه جاهل بها، وأنّ اللّه هو العالم بالأشياء، فينبغي له اختيار ما أمر اللّه به والانتهاء عمّا نهى اللّه عنه، حتّى تقع الأمور مواقعها، ويتّخذ الخير والشّرّ مواضعها.
2 -وقد نبّه في صدرها بأنّ اللّه كتب عليهم القتال وكان كرها لهم، لأنّه مظنّة الهلاك والدّمار، فهذا نموذج لغيره من الأمور، فليس ملاك الخير نفعه العاجل وسهولته، بل نفعه الآجل وإن كانت فيه صعوبة، لاحظ"ك ر ه"،"ق ت ل": القتال،"ش ي ء": الأشياء":"
ط- (59) زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ وفيها بحوث:
1 -أشكلت على المفسّرين إضافة الحبّ إلى الشّهوات (حبّ الشّهوات) زعما منهم أنّ الشّهوة هي الحبّ، فيكون المعنى أنّ النّاس يحبّون الحبّ؟ فعالجه الفخر الرّازيّ بأنّ الحبّ غير الشّهوة، فالشّهوة من فعل اللّه حيث فطر النّاس عليها، والحبّ فعل العباد وهو أن يجعل الإنسان كلّ غرضه وعيشه في طلب اللّذّات والطّيّبات، ثمّ شرح ذلك- وتبعه مغنيّة- بأنّ الإنسان قد يحبّ شيئا ويحبّ أن لا يحبّه، فإنّ المسلم قد يحبّ بعض المحرّمات، لكنّه يحبّ أن لا يحبّه، أي يودّ من أعماق نفسه لو انقلب حبّه لهذا الشّي ء بغضا، وهذا يوشك أن يرجع عن حبّه. وقد يحبّ شيئا وهو راض ومغتبط بهذا الحبّ، كمن اعتاد على فعل الخير، مثل سليمان قال: إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ ص: 32، وهذا أقصى درجات الحبّ، وصاحبه لا يكاد يرجع عنه.
وأرادوا بذلك أنّ الآية تندّد من أحبّ الشّهوات وهو راض عن حبّه لا يرجع عنه أبدا.
وقال الطّباطبائيّ:"المراد بحبّ الشّهوات: التّوغّل والانغمار في حبّها، وهو المنسوب إلى الشّيطان دون أصل الحبّ المؤدّ في الفطرة، وهو المنسوب إلى اللّه سبحانه"وهذا هو مغزاها عندنا.
2 -وللطّباطبائيّ بحث طويل في زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ هل هذا التّزيين من فعل اللّه أو من فعل الشّيطان؟ فلاحظ"ز ي ن: زيّن"وكذا الفخر الرّازيّ فيها كلام، لاحظ النّصوص هنا.
3 -ما جاء من الأمور السّتّة في الآية: ابتداء ب"النّساء"وانتهاء ب"الحرث"هي أصول ما فطر على حبّه الإنسان ليتسنّى له العيش في هذه الدّنيا، ويكسب بها الكمال للآخرة، لا ليتوغّل في حبّها ويقتنع بها.
ويجعلها غاية للحياة، فحبّها ليس مطلوبا بالذّات للدّنيا، بل كوسيلة لحياة الآخرة، بأن يتّخذها ذريعة للخير دون الشّرّ، وللكمال دون الهوان، ويهديها إلى السّعادة دون الشّقاوة، وإلى الرّضوان دون الخسران.