المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 645
من كتاب اللّه- لاحظ"ح ف ظ: استحفظوا"- والباقي كلّها ذمّ: إمّا للرّبّانيّين والأحبار من اليهود بأنّهم لا ينهون النّاس عن قول الإثم وأكل السّحت (6) أو ذمّ لليهود والنّصارى بأنّهم اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللّه (4) ، أو ذمّ للأحبار والرّهبان بأكل أموال النّاس وصدّهم عن سبيل اللّه (3) ، فوجّه في (3 و4) التّوبيخ إلى الطّائفتين وإلى الأتباع والقادة معا، أمّا في (5 و6) فجاء (الرّبّانيّون) و (الاحبار) ولا كلام في أنّ (الاحبار) هم علماء اليهود، كما يأتي.
أمّا (الرّبّانيّون) فاختلفوا فيهم- كما جاء في النّصوص- فالأكثر على أنّ الصّنفين كلاهما من اليهود، والفرق بينهما: أنّ (الاحبار) هم القرّاء أو الفقهاء أو العلماء، و (الرّبّانيّون) هم الولاة والحكّام، أو هم الفقهاء، و (الاحبار) سائر العلماء، وكلّهم من أولاد هارون. وقيل: إنّ (الرّبّانيّون) علماء النّصارى، و (الاحبار) علماء اليهود.
وعندنا أنّ سياق الآيات قبلها- وكذا بعدها- يدلّ على أنّ الصّنفين كانا من اليهود، فقبل (5) ... وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ ... سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ ... وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ ... إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ ... المائدة: 41 - 44.
وقبل (6) ... مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ ... وَتَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ - إلى- لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ ... المائدة: 60 - 63.
وهذه كلّها أوصاف اليهود، فالرّبّانيّون والأحبار منهم دون النّصارى. فلا وجه لتردّد المفسّرين في ذلك.
وهذا بخلاف الآيتين (3 و4) فقبلهما ذكر اليهود والنّصارى معا: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ... اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ ... إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ ...
التّوبة: 30 - 34.
4 -قدّم (الاحبار) على (الرّهبان) في (3 و4) لتقدّم زمانهم عليهم بداهة أنّ اليهود قبل النّصارى، أمّا تقديم (الرّبّانيّون) على (الاحبار) وكلاهما من اليهود في (5 و6) فقيل: لفضلهم عليهم، وقيل: إنّ (الرّبّانيّون) أعمّ من (الاحبار) فكلّ ربّانيّ حبر، وليس كلّ حبر ربّانيّا، وقيل: لا فرق بينهما فكلّ حبر ربّانيّ وكلّ ربّانيّ حبر فهذا من قبيل ذكر الخاصّ بعد العامّ.
ولا شاهد لما ذكر بل ظاهر الآيتين الفرق بين الصّنفين، وأنّهما كانا يحكمان بالتّوراة للّذين هادوا- وهذا دليل آخر على أنّهما من اليهود- وأنّهما خلفاء (النّبيّون) الّذين أسلموا. وللكلام فيه مجال واسع، لاحظ"ر ب ب: ربّانيّون، ور ب ي: ربّيّون".
5 -يبدو أنّ الألفاظ الثّلاثة:"الأحبار، ربّانيّون، الرّهبان) كانت شايعة بين اليهود والنّصارى العرب في عصر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وليس لها ذكر في التّوراة والإنجيل."
6 -هناك بحث في أنّ المراد بها أشخاص معيّنون- استنادا إلى الرّوايات- أو تشمل كلّ علمائهم، وقد رجّح الطّبريّ الشّمول لعموم الآيات.
7 -الأحبار جمع"حبر"أو"حبر"- كما سبق-