فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 676
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ الأنفال: 29، وقوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا النّساء: 31، وقوله تعالى في تبديل السّيّئة بالحسنة: إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا الفرقان: 70، وقوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ هود: 114، وهذا أمر قريب إلى المنهج الإسلاميّ الّذي يلتقي بالعفو والمغفرة والتّوبة الّتي قد تكون كلاميّة، وقد تكون عمليّة، بتبديل الخطّ العمليّ من السّلب إلى الإيجاب.
وذهب صاحب البحار العلّامة المجلسيّ في"بحار الأنوار"إلى ثبوت سقوط الثّواب بكفر يستمرّ إلى نهاية العمر، وسقوط العقاب بإيمان يستمرّ حتّى الموت.
والأخبار كثيرة بشأن هبوط كثير من الطّاعات عن طريق كثير من المعاصي، وغفران كثير من المعاصي عن طريق كثير من الطّاعات؛ وذلك كما جاء في القرآن الكريم في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ الحجرات: 2، وكما في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ محمّد: 32، 33، فإنّ المقابلة بين الآيتين تقضي بأن يكون الأمر بالإطاعة في معنى النّهي عن المشاقّة، كما جاء في تفسير الميزان 2: 176.
وقد جاء عن النّبيّ محمّد صلّى اللّه عليه وآله:"إيّاكم والحسد، فإنّ الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النّار الحطب"بحار الأنوار 70: 357.
ولكن يمكن مناقشة بعض هذه الشّواهد. أمّا الآية الّتي تتحدّث عن رفع الصّوت فوق صوت النّبيّ، فليست واردة في مقام بيان فعليّة إحباط هذا السّلوك لأعمالهم السّابقة، بل هي واردة- واللّه العالم- في التّحذير من فعل الإساءة إلى النّبيّ بعدم احترامه في درجة نبوّته، من خلال الاستهانة به وبأمره ونهيه؛ فيقودهم ذلك إلى الإبتعاد عن خطّ الإيمان بطريقة تلقائيّة لا شعوريّة، في ما يجرّ بعض الأوضاع السّلبيّة بعضا آخر، وتؤدّي بالتّالي إلى لون معيّن من الانحراف في اتّجاه آخر. ولعلّ قوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ، إشارة إلى ذلك من خلال الوصول إلى الكفر وما يشبه الكفر من دون شعور.
أمّا آية المشاقّة، فإنّ الظّاهر من المشاقّة مع الرّسول، هو ما يحصل من الكافرين في مواجهتهم للنّبيّ، من خلال معطيات الكفر والصّدّ عن سبيل اللّه- ولذلك ذكر هذه المشاقّة في سياق صفات الكافرين- وذلك بإعلان الحرب عليه، والابتعاد عن دينه، والمخالفة له في العقيدة والشّريعة والاستهزاء. وأمّا الفقرة الّتي تليها فإنّها