فهرس الكتاب

الصفحة 6127 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 675

قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ الأنبياء: 94، وقوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ النّحل: 97.

فإنّ الظّاهر من الآيتين: أنّ العمل الصّالح في دائرة الإيمان، هو الّذي يمنح الإنسان حقّ الأجر الّذي يمنحه اللّه له في الدّنيا والآخرة، وهو الّذي يمنع من كفران سعيه الّذي يلتقي مع معنى الحبط والبطلان.

وفي ضوء ذلك، يكون الحبط كناية عن أنّ هذه الأعمال- مع الكفر- صارت بمنزلة العدم، لأنّ الإيمان هو الّذي يعطي العمل قيمته ونتائجه الإيجابيّة. فليست السّعادة الّتي يتطلّبها الإنسان شيئا يعيشه في حياته الدّاخليّة من موقع الثّقة الّتي يفرضها الإيمان، بل هو شي ء يحصل عليه من خلال عطاء اللّه له، لأنّ اللّه يعطي الثّواب في الدّنيا كما في الآخرة، وسينزل العذاب في الدّنيا كما ينزله في الآخرة، وهذا هو جوّ الآية، واللّه العالم.

هل الأعمال يبطل بعضها بعضا؟

هناك خلاف فكريّ بين المؤمنين: هل أنّ الأعمال يبطل بعضها بعضا بحيث تبطل الحسنة السّيّئة، أو السّيّئة الحسنة، أو يبقى كلّ واحد منهما على حاله في قضيّة الجزاء؟

فهناك قائل ببطلان الإحباط:

أوّلا: لأنّه ظلم مستحيل على اللّه سبحانه، وهذا ما ذكره نصير الدّين الطّوسيّ في"تجريد الاعتقاد"، قال:

إنّ الإحباط نوع من الظّلم، فلو أنّ شخصا قلّت حسناته وكثرت ذنوبه، فسيكون الإحباط بالنّسبة إليه أن يصبح شخصا لم يعمل حسنة قطّ، وهذا ظلم بحقّه.

وثانيا: الآيات الدّالّة على أنّ الإنسان يجزى بعمله مطلقا، سواء لحقه شي ء مضادّ له أو لم يلحقه، كما في قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ الزّلزال: 7، 8، وقوله تعالى:

وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ التّوبة: 101، وظاهر هذه الآية أنّ الأعمال تبقى على حالها في نتائجها الإيجابيّة والسّلبيّة حتّى تأتيهم التّوبة من اللّه سبحانه.

وثالثا: إنّه لا موجب للإحباط بعد انطلاق كلّ منهما من موقعه الدّاخليّ في النّفس الإنسانيّة، ممّا يفرض أن يأخذ كلّ واحد منهما دوره في واقع الإنسان، من خلال عدم ارتباط أحدهما بالآخر، أو غلبته عليه، فلا وجه لإلقاء أحدهما الآخر. وهذا هو المنهج العقلائيّ الّذي جرى عليه العقلاء بفطرتهم الّتي خلقها اللّه فيهم، في الجزاء على الحسنة بشكل مستقلّ كما لو لم تكن هناك سيّئة، والجزاء على السّيئة بشكل مستقلّ كما لو لم تكن هناك حسنة؛ وذلك من خلال السّيّئات والحسنات الّتي لا تحمل مدلولا مميّزا؛ بحيث يلغي الأساس للآخر كلّه.

أمّا في العمل الّذي يقطع العلاقة بين الإنسان وربّه كالكفر والارتداد، فإنّه يقطع المسألة من جذورها الّتي لا تبقي للحسنة أيّة قابليّة للبقاء، في حساب الأعمال.

وهناك قائل: بأنّ الأعمال تبقى على حالها في آثارها العامّة والخاصّة، ولكنّ الحسنة قد تكفّر السّيّئة، كما في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت