فهرس الكتاب

الصفحة 6126 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 674

الكريم، تتحدّث عن مواجهة الإنسان لنتائج جميع أعماله الصّالحة والطّالحة في الآخرة، وهذا لا يتلاءم مع مسألة الإحباط: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ الزّلزال: 7، 8.

ومقابل هؤلاء ذهب المعتزلة إلى القول بالإحباط، واستدلّوا على ذلك بقوله تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا الجنّ: 23.

وبين المعتزلة أبو هاشم جمع بين"الإحباط"و"التّكفير"، وهناك أقوال أخرى نعرض عن ذكرها.

والحقّ في هذا المجال ما قاله العلّامة المجلسيّ في"بحار الأنوار 5: 333"إذ ذهب إلى ثبوت سقوط الثّواب بكفر يستمرّ إلى نهاية العمر، وسقوط العقاب بإيمان يستمرّ حتّى الموت. والأخبار كثيرة بشأن حبوط كثير من الطّاعات عن طريق كثير من المعاصي، وغفران كثير من المعاصي عن طريق كثير من الطّاعات.

والقرآن يؤيّد ذلك في (الآية: 114) من سورة هود؛ إذ يقول: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ، ويقول:

وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ الحجرات: 2.

وفي الحديث:"أنّ الرّسول صلّى اللّه عليه وآله قال لأبي ذرّ:"اتّق اللّه حيث كنت، وخالق النّاس بخلق حسن، وإذا عملت سيّئة فاعمل حسنة تمحوها" (بحار الأنوار 71: 242) ."

وبشأن زوال الحسنات بارتكاب السّيّئات روي عنه صلّى اللّه عليه وآله:"إيّاكم والحسد فإنّ الحسد يأكل الحسنات، كما تأكل النّار الحطب" (بحار الأنوار 73: 255) .

وهذا ليس بقانون عامّ يشمل جميع الذّنوب والطّاعات، بل يختصّ ببعض منها، وبذلك نستطيع أن نجمع بين كلّ الآيات والرّوايات. (2: 67)

فضل اللّه: [نقل كلام الطّباطبائيّ في أثر حبط الأعمال في الدّنيا والآخرة ثمّ قال:]

ونلاحظ على هذا التّحليل الدّقيق أنّ ما ذكره في تفسير"الإحباط"في الدّنيا والآخرة ببطلان تأثير الأعمال، مع الكفر أو الارتداد في سعادة الإنسان في الدّارين صحيح، ولكن تفسيره السّعادة في الدّنيا بالحياة الرّوحيّة الّتي يعيش الإنسان المؤمن فيها النّور في أفعاله، دون الكافر الّذي يفقدها لفقدان صلته باللّه الّذي يدخل البهجة إلى قلبه، والسّلوة عند حزنه، والاكتفاء عند حاجته، ليس دقيقا. فإنّ ذلك قد يحقّق للإنسان الشّعور بالسّعادة والطّمأنينة؛ من حيث تأثير الإيمان ص ذلك، كما هو مدلول الآيات الّتي استشهد بها.

ولكن الظّاهر من الأعمال، في هذه الآية، الأعمال الّتي يستحقّ بها الإنسان العناية من اللّه بما يمنحه من الثّواب عليها، أو يدفع بها عنه شرّا، أو يجلب له خيرا، فإنّ اللّه يعطي عباده المؤمنين النّتائج الإيجابيّة في أعمالهم الخيّرة وإن لم يتقرّبوا بها إليه، بل كانت جارية على حسب الخطّ الإيمانيّ الّذي تتحرّك فيه حياته من خلال انتمائه إلى رسالات اللّه.

ولذلك، فإنّ المقصود من: حبط الأعمال بالكفر وبالارتداد، هو بطلان تأثيره في العطاء الإلهيّ في الدّنيا والآخرة، هذا العطاء الّذي يجريه اللّه لعباده جزاء للأعمال الصّالحة بشرط الإيمان، لأنّ الإيمان هو الأساس في استحقاق الثّواب على العمل، وهذا ما نستوحيه من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت