فهرس الكتاب

الصفحة 6141 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 689

في الآية: النّهي عن رفع الصّوت على الإطلاق، ومعلوم أنّ حكم النّهي الحذر ممّا يتوقّع في ذلك من إيذاء النّبيّ صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم، والقاعدة المختارة أنّ إيذاءه عليه الصّلاة والسّلام يبلغ مبلغ الكفر المحبط للعمل باتّفاق، فورد النّهي عمّا هو مظنّة لأذى النّبيّ صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم سواء وجد هذا المعنى أو لا، حماية للذّريعة وحسما للمادّة.

ثمّ لمّا كان المنهيّ عنه منقسما إلى ما يبلغ مبلغ الكفر وهو المؤذي له عليه الصّلاة والسّلام، وإلى ما لا يبلغ ذلك المبلغ، ولا دليل يميّز أحد القسمين عن الآخر، لزم المكلّف أن يكفّ عن ذلك مطلقا، خوف أن يقع فيما هو محبط للعمل، وهو البالغ حدّ الأذى؛ إذ لا دليل ظاهرا يميّزه، وإن كان فلا يتّفق تمييزه في كثير من الأحيان، وإلى التباس أحد القسمين بالآخر وقعت الإشارة بقوله سبحانه: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ.

وإلّا فلو كان الأمر على ما يعتقده الزّمخشريّ لم يكن لقوله سبحانه: وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ موقع؛ إذ الأمر منحصر بين أن يكون رفع الصّوت مؤذيا، فيكون كفرا محبطا قطعا، وبين أن يكون غير مؤذ، فيكون كبيرة محبطة على رأيه قطعا، فعلى كلا حاليه الإحباط به محقّق إذن، فلا موقع لإدعام الكلام بعدم الشّعور مع أنّ الشّعور ثابت مطلقا.

ثمّ قال عليه الرّحمة: وهذا التّقدير يدور على مقدّمتين كلتاهما صحيحة:

إحداهما: أنّ رفع الصّوت من جنس ما يحصل به الأذى، وهذا أمر يشهد به النّقل والمشاهدة، حتّى أنّ الشّيخ ليتأذّى برفع التّلميذ صوته بين يديه، فكيف برتبة النّبوّة وما تستحقّه من الإجلال والإعظام.

ثانيتهما: أنّ إيذاء النّبيّ صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم كفر، وهذا ثابت قد نصّ عليه أئمّتنا، وأفتوا بقتل من تعرّض لذلك كفرا ولا تقبل توبته، فما أتاه أعظم عند اللّه تعالى وأكبر، انتهى.

وحاصل الجواب أنّه لا دليل في الآية على ما ذهب إليه الزّمخشريّ، لأنّه قد يؤدّي إلى الإحباط إذا كان على وجه الإيذاء أو الاستهانة، فنهاهم عزّ وجلّ عنه، وعلّله بأنّه قد يحبط وهم لا يشعرون.

وقيل: يمكن نظرا للمقام أن ينزل أذاهم رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم برفع الصّوت منزلة الكفر تغليظا، إجلالا لمجلسه صلوات اللّه تعالى عليه وسلامه، ثمّ يرتّب عليه ما يرتّب على الكفر الحقيقيّ من الإحباط، كقوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ إلى قوله سبحانه: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ آل عمران: 97.

ومعنى وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ عليه: وأنتم لا تشعرون أنّ ذلك بمنزلة الكفر المحبط وليس كسائر المعاصي، ولا يتمّ بدون الأوّل.

وجاز كما في"الكشف"أن يكون المراد ما فيه استهانة، ويكون من الباب فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ القصص: 86 ممّا الغرض منه التّعريض، كيف وهو قول منقول عن الحسن كما حكاه في"الكشّاف".

وقال أبو حيّان: إن كانت الآية بمن يفعل ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت