فهرس الكتاب

الصفحة 6153 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 701

أعمال المرتدّ على مسألة أخرى كأصل لهم، اختلفوا فيها وهي- كما قال- البحث عن وقت الاستحقاق وموطنه، فقيل: إنّه وقت العمل، وقيل: حين الموت، وقيل:

الآخرة، وقيل: وقت العمل والموافاة، بمعنى أنّه لو لم يدم على ما هو عليه حال العمل إلى حين الموت وموافاته لم يستحقّ ذلك، إلّا أن يعلم اللّه ما يؤول إليه حاله ويستقرّ عليه، فيكتب ما يستحقّه حال العمل.

ثمّ قال:"و قد استدلّ أصحاب كلّ قول بما يناسبه من الآيات، فإنّ فيها ما يناسب كلّا من هذه الأوقات بحسب الانطباق، وربّما استدلّ بوجود عقليّة ملفّقة".

ثمّ عالج المسألة بما اختاره في حبط الأعمال وجزائها، من سقوط أثرها في النّفس وتحوّل النّفس بها، كذلك تحوّل الإنسان بالطّاعة والمعصية، وترتّب الثّواب والعقاب عليهما، كلّ ذلك ما دام الحياة وانعدامها بالموت، فلازمها تعلّق ذلك كلّه حتّى الموت ولا يتنجّز شي ء منها حال الحياة، وله في هذا البحث كلام طويل، فلاحظ، وقد فرّع عليه أمورا:

1 -أنّ في جميع تلك الأقوال في هذه المسألة انحرافا من الحقّ لبنائهم البحث على غير ما ينبغي أن يبنى عليه- وهو ما اختاره من أنّ معنى الحبط: سقوط أثر العمل في سعادة الإنسان، دون أصل العمل أو ثوابه.

2 -أنّ كلّا من الثّواب والعقاب يلحق الإنسان من حيث الاستحقاق بمجرّد العمل، لكنّه قابل للتّحوّل.

3 -أنّ حبط الأعمال مثل الاستحقاق لجزائها، يتحقّق عند العمل ويتحتمّ عند الموت.

4 -أنّ الحبط كما يتعلّق بالأعمال الأخرويّة يتعلّق بالأعمال الدّنيويّة.

5 -أنّ التّحابط بين الأعمال باطل، بخلاف التّكفير ونحوه- أي التّبديل- بحجّة فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ الزّلزال: 7 و8.

وعندنا أنّه لا مانع من بقاء كلّ آية على ظاهرها، وأن تكون معاملة اللّه مع العباد حسب مشيئته وحكمته، وحسب أحوال العباد على أنحاء بحسب تلك الأقوال الأربعة.

على أنّ هذه الأبحاث شغلت قسطا كبيرا من مجادلات المتكلّمين من دون جدوى لها في عمل العباد.

والقرآن دائما يوجّه ويدعو إلى ما يقرّب النّاس من الطّاعة ويبعّدهم عن المعصية، وهذه الأبحاث المبهمة الّتي لا تنتهي إلى نتيجة صارمة ربّما تحجب العباد بعد الاطّلاع عليها عن الطّاعة.

خامسا: بناء على اختلافهم في أعمال المرتدّ هل تسقط بمجرّد الرّدّة أو تبقى معلّقة حتّى الموت؟

اختلفت الفقهاء في حجّ المسلم إذا ارتدّ ثمّ أسلم، فقال مالك: يلزمه الحجّ لقوله: بسقوط أعماله بمجرّد الرّدّة، فهو بعد الرّجوع عن ردّته إلى الإسلام كأنّه لم يحجّ. وقال الشّافعيّ القائل بالتّعليق لا يلزمه الحجّ، لأنّ حجّه السّابق لم يسقط رأسا، واحتجّ بأنّ قوله تعالى في (4) وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فيها شرطان لسقوط أعماله: الارتداد والموت كافرا، فاجتمع مطلق ومقيّد- أي الارتداد مطلق قيّده الموت كافرا- فنأخذ بالمقيّد. ولإسناد هذا الحكم إلى الآية مجال للنّظر.

سادسا: جاءت في جملة من الآيات حبط الأعمال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت